إيليا مقار يكتب: الحرافيش Reviewed by Momizat on . بعد أن يغتال ظلم الفتوة "حسونة السبع" أحلام حرافيش الحارة الذين يعيشون في جو من القهر الممتزج بالفقر، يجتمع عاشور الناجي بالحرافيش للخلاص من الفتوة الظالم: - عا بعد أن يغتال ظلم الفتوة "حسونة السبع" أحلام حرافيش الحارة الذين يعيشون في جو من القهر الممتزج بالفقر، يجتمع عاشور الناجي بالحرافيش للخلاص من الفتوة الظالم: - عا Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » إيليا مقار يكتب: الحرافيش

إيليا مقار يكتب: الحرافيش

إيليا مقار يكتب: الحرافيش

بعد أن يغتال ظلم الفتوة “حسونة السبع” أحلام حرافيش الحارة الذين يعيشون في جو من القهر الممتزج بالفقر، يجتمع عاشور الناجي بالحرافيش للخلاص من الفتوة الظالم:
– عاشور الناجي: إيه يرجع السعادة لحارتنا زي زمان؟
– أحد الحرافيش (بأسى): لما يرجع جدك عاشور الناجي
– عاشور الناجي: اللي مات مبيرجعش والحى أبقى من الميت
– أحد الحرافيش (بصوت يغلبه القهر): وهي حياتنا دي تبقى حياة يا عاشور؟
– عاشور الناجي: إيه اللي ناقصكم؟
– أحد الحرافيش: رغيف العيش
– عاشور الناجي: القوة أشرف وأكرم من رغيف العيش
– أحد الحرافيش (بإستفسار): تكونش ناوي تبقى فتوة؟!
– حرفوش أخر: ولما هتبقى فتوة، هتتقلب علينا وتعمل من الأعيان!
– حرفوش ثالث: وتدَوَر تقتيل في الخلق، زي اللي قبلك!
– عاشور الناجي (بحكمة ورصانة): وإذا بقيت فتوة عادل؟
– حرفوش رابع: (ببهجة وأمل) ده يبقى يوم المنى لما فتوتنا ينصر الضعيف، ويعلًى الحق!
– عاشور الناجي (يقف ويخطب في الحرافيش بحماس): الحلم ممكن يبقى حقيقة لو وقفنا راجل واحد ضد حسونة ورجالته وترجع الحارة للحرافيش.
كان هذا مشهداً من فيلم “التوت والنبوت” أحد أجزاء ملحمة “الحرافيش” للعملاق نجيب محفوظ التى نُشرت عام 1977، الملحمة تضم عشرة أجزاء و تحكى قصة عشرة أجيال سكنت حارة مصرية غير محددة الزمان والمكان بدقة، وتعكس صراع السلطة وثنائيات الظلم والعدل، الحب والكراهية، الدين والمجون.
في التوت والنبوت، تعاني الحارة من ظلم حسونة السبع، فتوة الحارة الذي لا يتورع عن تحصيل إتاوات باهظة من الحرافيش الفقراء مستنداً على جماعته وأنصاره، كما يعتمد أيضا على مساندة رجال الدين لجبروته وسطوته، فالشيخ يونس، شيخ الحارة يقول لحسونة السبع “اللي يعصى أمرك يبقى كافر، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم”، أما المأذون، فلا يتورع عن أن يهم بعقد قران طليقة عاشور الناجي على المعلم حسونة قبل إنتهاء عدتها.
في التوت والنبوت، يقدم عاشور الناجي نفسه على أنه شخص عادل، بالرغم من أنه مع أحداث الرواية تخلص من الفقر وعاش وأسرته متمتعين بأموال اخيه الفاسد “فايز الناجي”. ومع إنتهاء أحداث الرواية، تشعر أن نجيب محفوظ أوقعك في فخ ما. مع مشهد النهاية تكتشف أن أحداث الرواية المتشعبة والملتهبة قد إنحصرت في صراع السلطة بين عائلة الناجي والفتوة حسونة السبع، ويبقى الطرف الحاضر الغائب وهم “الحرافيش”. في الرواية تتأكد أن الجميع يستخدم الحرافيش، حسونة السبع يُخضعهم له بسلطة القوة وحماية رجال الدين، وعاشور الناجي يستميلهم اليه لإستعادة مجد عائلة الناجي بعد أن يزرع في نفوسهم حلم الحرية والعدل.
أتخيل أنه لو كان محفوظ بيننا الأن، لكان أضاف لملحمته الجزء الحادي عشر، ربما رد للحرافيش في الجزء الذي لم يكتبه حقهم الذي أبخسهم إياه طوال عشرة أجزاء تحمل إسم الحرافيش دون أن تركز على عالمهم وألامهم وأمالهم، أتصور أن ما لم يقله لنا نجيب محفوظ، هو أن مخاوف الحرافيش كانت “مشروعة” وإن عاشور الناجي إستغل كراهية الحرافيش لحسونة، لإستعادة مجد عائلته “فقط”.

ما لم يقله لنا محفوظ، هو أن عاشور الناجى قد نجح في إقناع الحرافيش بأنه لا سبيل لتحقيق حلم العدل بينما الحارة مازالت تحت خطر عودة رجال حسونة السبع. ما لم يقله لنا محفوظ هو أن الحرافيش انفسهم تشتتوا، فمنهم من إنشغل بالإنتقام من رجال الفتوة الظالم حسونة السبع، ومنهم من تقرب لعاشور بأن إنتقم من زملاءه الحرافيش الذين تجرأوا وهمسوا في أُذن المعلم عاشور مذكرينه بوعد الحرية والعدل. ففي حارتنا الجديدة، لا يعلوا صوت فوق صوت المعركة، ولكن معركة من ضد من؟ في وسط غبار المعركة، لا يتوقف الحرافيش ليفتشوا عن حلمهم الضائع، ليكتشفوا أنهم في الحقيقة غير مدينين بالجميل لعاشور الناجى بعد أن ناصروه وأجلسوه على كرسى الفتونة بدمائهم ودماء أبناءهم. بل على النقيض، هو المديون لهم بالعدل الذي هو السبيل الوحيد للأمن ولضمان عدم عودة حسونة وأهله وعشيرته.

لم يقل لنا محفوظ أي من ذلك، ولكن بقليل من التروى، تدرك الرسالة التى لم يصرح بها نجيب محفوظ وهى أن الحارة لا يمكن أن ترجع ل”حرافيش”. بل الأكثر من ذلك… أنه لا يوجد فتوة… إلا من صنع حرافيش.

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى