محمد ماهر بسيوني يكتب: شعرية النص الطليق ويوتوبيا الانعتاق Reviewed by Momizat on . "يتملكني شعور غريب بالحنين، وتملأ رأسي الذكريات. إنها الإسكندرية حينما يحتويها النصف الثاني من سبتمبر، ويدخل عليها أكتوبر بسحبه الشامخة وهوائه البارد العذب؛ حين "يتملكني شعور غريب بالحنين، وتملأ رأسي الذكريات. إنها الإسكندرية حينما يحتويها النصف الثاني من سبتمبر، ويدخل عليها أكتوبر بسحبه الشامخة وهوائه البارد العذب؛ حين Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » محمد ماهر بسيوني يكتب: شعرية النص الطليق ويوتوبيا الانعتاق

محمد ماهر بسيوني يكتب: شعرية النص الطليق ويوتوبيا الانعتاق

محمد ماهر بسيوني يكتب: شعرية النص الطليق ويوتوبيا الانعتاق

“يتملكني شعور غريب بالحنين، وتملأ رأسي الذكريات.
إنها الإسكندرية حينما يحتويها النصف الثاني من سبتمبر، ويدخل عليها أكتوبر بسحبه الشامخة وهوائه البارد العذب؛ حينئذ أتحرك فيها كإلهة من آلهة الأساطير، رأسي يحف بالسحب وروحي تمتلئ بالجلال
إنها الآن تدعوني إليها..
فمتى ألبي النداء؟”

–       بوسي ميلاد

شعرية النص الطليق ويوتوبيا الانعتاق

أمامنا نص طليق من تبعات التأصيل النوعي، يخترقه الشعر والفلسفة والأسطورة والسرد، دون أن ينتسب لأي منها، فجنسه الأدبي ليس محل شك، ولكنه محل تأرجح، ولايقينية، إذ هو جنس رافض بكينونته للتقعيد، وإكراهات النسقية.

في أسلوب شذري شديد الكثافة والاكتناز، وفي مقطع نصي واحد، وبكتابة تمتح من الشعري إيجازه ووجدانيته، ومن الفلسفي تأمليته العميقة، المستكشفة ما ورائية صرامة الحياة، ومن الأسطوري رمزيته شاهقة الغموض، ومن السردي إطاره الحكائي؛  تلخص “بوسي ميلاد” رحلة الإنسان في تجربته الأرضية، ونوستالجاه إلى فردوسه المفقود وأمله في الانعتاق من المادي إلى يوتوبيا روحية متخيلة.

 يعالج النص تلك اللحظة التي تتوقف فيها الذات فجأة، وسط رتابة عالمها، لتجد نفسها غريبة عنه، ولا تشعر بالانتماء إليه. هناك ماض آخر لا يمت لواقعها بصلة، فردوس مفقود لا تذكر متى طردت منه، عصر ذهبي عاشته يوما ما، تتمنى دائما العودة إليه، كلما ضاق بها حاضرها.

هذا الحصار يدفع الذات – الجسد والروح – للتطواف الزمكاني بحثا عن مستقر لها تجد فيه بعضا من العزاء والطمأنينة.

هنا تصبح الإسكندرية معادلا موضوعيا ليوتوبيا مشتهاة، يجد فيها الجسد راحته، وتجد فيها الروح انعتاقها. يخلع فيها الإنسان عجزه البشري ليتزيا بالكمال الذي هو صنو الإلهي فيه، ويتأسطر فيها ناسوته، متحدا باللاهوتي.

هذا الحضور للحلولي والاتحادي هو جوهر النظرة الصوفية للعالم، التي هي في حالة طلب للاتصال بالوجود في طبيعيته وصولا للنقطة العليا – التي قد تكون الله بالمعنى الديني – التي تتوحد فيها ما نسميه الروح وما نسميه المادة؛ لتزول تناقضاتهما ويحل الخلاص.

هذا الخلاص دنيوي بقدر ما هو سماوي، لأن به توغل الذات في حركية الوجود ولا نهائيته، ليس في السماء ولا على الأرض، بل السماوات والأرضين مجتمعين، في رحلة انعتاق للذات في وصولها للذات التي هي مركز الوجود، والوجود الذي هو مركز الذات.

وحيث يصير الوجود مكانا؛ ولكنه مكان غير مفارق، بل موجود حولنا وفينا. يسكننا بقدر ما نسكنه، ويصير توق العودة إليه، عودة لأصل الخليقة وفردوسها المفقود وعصرها الذهبي الذي مازال يخاتل الذات فتسعى للتماهي فيه بعد خوض تجربتها الإنسانية.

حين تعي الذات ذلك تهفو لإنهاء تجربتها الإنسانية، وتظل هذه الرغبة مؤرقة لها، وتستطيل السفر الأرضي وتتمنى الانعتاق منها، وتعبر عن هذه الرغبة بطرق عدة، يعد التعبير الفني هو الأهم من بينها، كما عبرت بوسي ميلاد بنصها الذي نقرؤه الآن.

محمد ماهر بسيوني

باحث في مجال النقد الأدبي الحديث

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى