قليني نجيب يكتب: المحرك الاول Reviewed by Momizat on . في احد الايام كنت برفقة مجموعة من السائحين داخل المتحف المصري والذي يضم في جنباته ما يزيد عن مائة وعشرين الف قطعة اثرية. وتوقفت بهم - كعادة المرشدين - عند اشهر في احد الايام كنت برفقة مجموعة من السائحين داخل المتحف المصري والذي يضم في جنباته ما يزيد عن مائة وعشرين الف قطعة اثرية. وتوقفت بهم - كعادة المرشدين - عند اشهر Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » قليني نجيب يكتب: المحرك الاول

قليني نجيب يكتب: المحرك الاول

قليني نجيب يكتب: المحرك الاول

في احد الايام كنت برفقة مجموعة من السائحين داخل المتحف المصري والذي يضم في جنباته ما يزيد عن مائة وعشرين الف قطعة اثرية. وتوقفت بهم – كعادة المرشدين – عند اشهر تماثيل الالهة والملوك والنبلاء والافراد، وغيرها من القطع الفنية المصنوعة من الحجر والخشب والبردي والكتان والذهب والفضة والاحجار الكريمة. وتأرجح الحديث ما بين التاريخ والفن والميثولوجيا. واثناء توجهنا من المتحف الى هضبة الجيزة، حيث لا تزال اهرامات خوفو وعائلته تناطح الزمان والمكان، دار جدل بيني وبين احدهم عن حقيقة وجود الله – وكان معظم المجموعة لا يعتد بوجوده. هناك على سفح الهضبة، بدأت استعرض عليهم النظرية تلو النظرية مما قيل بشأن الكيفية التي شيد بها القدماء حبور ملوكهم. وتطور البناء من المقبرة البسيطة، الى الهرم الكامل، مرورا بالمصطبة فالهرم المدرج ثم المنحى، وحتى وصلنا الى هرم خوفو الاكبر، والذي ما زال يثير العجب والذهول عند كل من شاهده او قرأ عنه. وبعد ذلك قلت لهم انه منذ حوالي اربعة الاف وخمس مائة عام، ان مليونين وثلاثمائة الف من القطع الحجرية التي يتراوح وزن كل منها ما بين طُنين، وخمسة عشر طُنا، قد اقطتعت من محاجر طرة على الضفة الشرقية من النيل. ثم انتقلت الى حيث يرقض الهرم الاكبر الان، قاطعة مسافة تقدر بنحو عشر اميال. هذا بخلاف الاحجار الجرانيتية التي تغطي وتكسوا حجرات الدفن. وقد جُلبت من جنوب مصر، من مسافة تزيد على خمس مائة ميل. ثم تَهندمت ورُصَّت فوق بعضها وفقا لتلك الهندسة العجيبة، وكل ذلك تم بمحض الصدفة. عندئذ انفجرت ينابيع الضحك من حناجرهم. وهنا قلت لهم اذا كنتم لا تعقلون ان يكون هذا الهرم قد بني بمحض الصدفة فكيف تعتقدون بوجود الكون بما فيه من مجرات وما بها من نجوم وكواكب وكائنات. كيف لهذه ان توجد بتلك الصدفة عينها التي اَحَلْتُم اليها المعقول والامعقول ؟! كما اَحَلْتُم اليها تلك التعقيدات الهائلة التي توجد بالكائنات الحية وعلى رأسها مخ الانسان ؟!. وكيف ترفضون مبدأ الخلق من العدم وفي نفس الوقت تصدقون نظرية الانفجار العظيم (Big Bang) التي تقول بصدور الكون عن كتلة صغيرة تعادل قبضة اليد، يقول العلماء انها انفجرت منذ نحو13,8 مليار سنة. واذا كان ذلك قد حدث بالفعل، فمن الذي اوجد تلك المادة ؟ ومن الذي منحها تلك القدرة على الانفجار في ذلك التوقيت دون غيره؟ وكيف لهذا الانفجار ان يحدث نظاما كونيا ولا يحدث فوضى كما تعلمنا التجربة ؟. وكيف تخرج الحياة من النار والاحجار؟ فمن غير المعقول ان يكون ذلك كله قد حدث بمحض الصدفة او من تلقاء نفسه دون ان يكون وراءه عقل مدبر وقدرة غير محدودة.
ان الفكر الوثني القديم، وعلى الرغم من بدائيته، لم يقل بهذه الصدفة التي يقول بها المستعقلون اليوم، بل انه كان يعتقد باستحالة صدور شي عن غير علة؛ فأحال الاشياء الى قوى خارجة عن الطبيعة. وجعل لكل عنصر من عناصرها الها عبده. فتصور ان للشمس والقمر والنهر وغيرها من الموجودات قوى اوجدتها، وتهيمن عليها وتَضْمن وجودها. وفي اطار تصوره لوجود علاقة تلازمية بين العلة والمعول، او بين المصدر والصادر عنه، فانه خلع الصفات المعنوية والحسية للموجودات على من تصوره مصدرا لها. فعندما نظر الكائنات الحية على جنسين: ذكر وانثي، انه تصور الارباب كذلك. ولاحظ ان كل زوجين يتكاثران بالتزواج. ومن ثم فقد اعتقد بزواج الالهة وتناسلها. كما تزوج اوزيريس بايزيس وانجب منها حورس؛ وكما التقى جب (الارض) بـ نوت (السماء) واسفر لقاؤهما عند ولادة شو (الهواء). وكما قال السومريون بولادة انليل من اختلاط (آن) رب السماء بـ (كي) ربة الارض. ومثل قول الاغريق بأن زيوس بنى بـ هيرا وانجب منها أثينا واخوتها واخواتها.
ثم تطور الفكر وارتقى عند الاغريق في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، فثاروا على هذه المبادئ التي دارت في اروقة المعابد. ونظروا الى الوجود نظرة اكثر معقولية. بدأت فكرتهم بسيطة في شرق البلقان على يد فلاسفة المدرسة الايونية: طاليس، وانكسيمانس، وانكسيمندر؛ ثم ارتقت في غربه على يد فلاسفة اثينا: سقراط وافلاطون وارسطو. ففي الشرق، اقتصر الوجود على ما رأوه بأبصارهم، وما لمسوه بايديهم من تلك الموجودات المادية التي تتشكل عناصرها من الماء والتراب والهواء والنار- على حد قولهم؛ بينما واصل الفكر ارتقاءه في غرب البلقان، فنحا به افلاطون نحو المثالية معتقدا بوجود عالمين: عالم روحاني، وعالم مادي، الاول حقيقي والثاني خيالي. وعبر عن ادراكنا للعالمين بمثل سجين الكهف. كما انه ارجع الاول الى كائن اعظم يمثل الخير المطلق. واعاد العالم المحسوس الى وسيط بينهما اسماه اللوجوس. ثم قفز ارسطو بالفكر قفزة لم يسبقه اليها من الفلاسفة سابق، ولم يلحقه بها لاحق، عندما رد الوجود الى كائن اعلى مغاير ومفارق. وقدم لاثبات وجوده دليلاً عرف تحت اسم المحرك الاول. وقد غدي هذا الدليل العقلي بمثابة برهان نقلي تداوله المشتغلون بالالهيات لاثبات وجود خالق السماوات. فتبناه القديس توما الاكويني، وقال فيه شارحا بأن ” كل متحرك فهو يتحرك من اخر، لانه لا يتحرك شئ الا باعتبار كونه بالقوة الى ما يتحرك اليه. اذ ليس التحريك سوى اخراج شئ من القوة الى الفعل. واخراج شئ الى الفعل لا يمكن ان يتم الا بموجود بالفعل… وهنا لا يجوز التسلسل الى ما لا نهاية. فاذا لابد من الانتهاء الى محرك اول غير متحرك من اخر هو الله”. ومثال التحريك من القوة الى الفعل، مثل الشجرة التي ينوي النجار ان يحولها الى منضدة، فهي تظل منضدة بالقوة – في عقله فقط – الى ان ينشرها ويجعلها منضدة بالفعل. ولا ينتقل الشئ من القوة الى الفعل بدون فاعل.
ومن هنا نلاحظ ان الاكويني – وفقا لمبدأ ارسطو – قد برهن من خلال المعلول، وهو هنا الحركة في الموجودات، على وجود علته. اي انه استدل على وجود الله الغير مدرك من خلال اعماله التي ندركها. والامر يشبه اعتقادنا في الجاذبية الارضية والقوى الكهرومغناطيسية. فنحن وان كنا لا نراها بأعيننا؛ الا اننا نستدل على وجودها من خلال تأثيرها في الاشياء التي تحركها. وقد عبر الاكويني عن ذلك ببليغ القول: ” لانه متى كان معلول اوضح لنا من علته فاننا نتأدى بالمعلول الى معرفة العلة … فاذا لما كان وجود الله ليس بيِّناً بذاته لنا كان مُبَرْهَناً باثاره البينة لنا “. وكما كما يقول القديس بولس: ” لان اموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته ” (رو2).
اذا فلابد من وجود مدبر لهذا الكون، يكون غايته وقصده، ومن العبث ان نتصور ان كل ذلك النظام صدر من تلقاء ذاته ما لم يكن وراءه كائن واجب الوجود، سواء وصفته الفلاسفة بالمحرك الاول والعلة الفاعلة. او كما وصفه الوحي بأنه الخالق الاعلى جل وعلا.

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى