قليني نجيب يكتب: من صفعات التاريخ .. شارع الغدر (1) Reviewed by Momizat on . عندما كنت امر بشارع شجرة - شجر - الدر بالزمالك، كنت اتذكر تلك الفتاة المسكينة التي غار القتلة على اهلها واختطفوها كغيرها من المخطوفين والمخطوفات. وعبر اسواق الن عندما كنت امر بشارع شجرة - شجر - الدر بالزمالك، كنت اتذكر تلك الفتاة المسكينة التي غار القتلة على اهلها واختطفوها كغيرها من المخطوفين والمخطوفات. وعبر اسواق الن Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » قليني نجيب يكتب: من صفعات التاريخ .. شارع الغدر (1)

قليني نجيب يكتب: من صفعات التاريخ .. شارع الغدر (1)

قليني نجيب يكتب: من صفعات التاريخ .. شارع الغدر (1)

عندما كنت امر بشارع شجرة – شجر – الدر بالزمالك، كنت اتذكر تلك الفتاة المسكينة التي غار القتلة على اهلها واختطفوها كغيرها من المخطوفين والمخطوفات. وعبر اسواق النخاسة، ومثل قطع اثاث رخيصة كن يتنقلن من بيت الى بيت حيث يتبادلهن الموسرين فيما بينهم، سواء بالاعارة والاستعارة او بالبيع والشراء، بشكل لا يجرمه شارع ولا يحرمه قانع. أفقدهن الزمان واشباه الرجال براءتهن، فأصبحن كائنات بلا كينونة. اما هي فقد جئ بها الى المستعصم العباسي، وقد اهداها بدوره الى الملك الصالح نجم الدين ايوب، فبقيت عنده لفترة ثم أعتقها وتزوجها واصبحت ملكة مصر بعد ان كانت واحدة من ملكاته.
ولما مات نجم الدين في خيمته اثناء معاركه ضد الفرنسيين، انها اخفت خبر وفاته وارسلت الى ابنه توران شاه تستدعيه من خارج البلاد ليتسلم مهام القيادة. وما لبث الوريث ان جاء على وجه السرعة وواصل المعركة وانتصر على الفرنجة وهزمهم شر هزيمة.
وبينما كان توران شاه يحتفل بالنصر في قلعة الروضة بصحبة قادة المماليك: عز الدين ايبك، وقطز، وبيبرس، واقطاي، ان الخمر جعلته يخرج عن حدود اللياقة ويسب قادة الجيوش، ناسبا النصر لنفسه من دونهم. فمال عليه اقطاي بسيفه يريد قتله ولكنه تلقاه على يده فاصابها، فتركوه ينزف واشعلوا النيران في القصر، فما كان من الشاب الجريح الا ان قفز في النهر لينجو بحياته، ولكن اقطاي ادركه سابحا، ولم يتركه حتى لفظ اخر بني ايوب اخر نسمة من حياته، فمات جريحاً وحريقاً وغريقاً. ومن ثم انفردت شجر الدر بالعرش الامر الذي لم يكن ليرضي الخليفة العباسي ولا رجال الدين ان تتولى امرهم امراة. ولذلك ارسل من بغداد الى كبار المماليك يوبخهم على ذلك. فتشاوروا فيما بينهم، وانتهى رأيهم الى ان يبني كبيرهم ايبك بملكة البلاد ومليكة العباد، وأن يحكما سويا؛ فتزوجت شجر الدر من عز الدين ايبك بعد ان انفردت بسدة السلطنة لنحو ثمانين يوما. ولكنها سرعان ما انقلبت على زوجها وغدرت به فاغتالته خشداشيتها بالحمام وهو اعزل عاري الجسد. فقامت ضرتها بالثأر لزوجها وقتلتها بذات الوسيلة وفي نفس المكان. ثم القوا بجثتها في خندق ما بالقلعة مما اتاح للكلاب ان تأكل لحمها وتلعق عظامها الى ان جاء احد المحسنين وجمع العظام في قفة ثم قَبَرَه. ولم يَفُتْ التاريخ ان يتحفنا بما لا يشفع ولا ينفع من عبث الصبية بملابسها. وهكذا انتهت حياة من جنت عليها الاقدار فجنت على زوجها.
وبموت ايبك وشجر الدر تولى قطز قيادة الجيش، وفي تلك الاثناء كان التتار قد انقضوا على الشرق انقضاض الاسد على الفريسة. واخذت البلاد تتداعى في يدهم الواحدة تلو الاخرى. ووقع افراد البيت العباسي في قبضة هولاكو فأجهز عليهم جميعا ولم يستثني طفلا او شيخا، حتى المستعصم نفسه الذي كان قد عير المماليك من قبل بانعدام الرجال من وسطهم. وهكذا قضي البيت العباسى بنفس الطريقة التي قضى بها ابو العباس على البيت الاموي قبل ذلك بنحو خمسة قرون، عندما جمع من بني امية من كان منهم على قيد الحياة، وعددهم ثمانون فردا او ينيف، فقتلهم وادب على انين المحتضرين منهم.
وبعد موت توران شاه، تولى قطز امر السلطنة واستطاع ان يوقف زحف التتار بانتصاره عليهم في موقعة عين جالوت الفاصلة. واثناء عودته مظفراً وهو على مشارف العاصمة تربص به بيبرس، احد قواده وزميل كفاحه، وغدر به مسددا رمح الخيانة في ظهره، ولم يدعه يهنأ بالنصر الذي كان قد حققه حاميا مصر ودول الجوار من الخطر المغولي. واغتصب بيبرس كرسي السلطنة ولقب نفسه بالظاهر، وما يزال يطلق اسمه على احد احياء القاهرة وبعض شوارعها. وبات غدر الامراء بالسلاطين هو السمة البارزة لعصر دام لنحو ثلاثة قرون. الى جانب السلب والنهب الذي كان يمارسه الجنود ضد الشعب المصري، ذلك الشعب الذي كان ملقفا للطغاة والغزاة طوال تاريخه، لم ينعم سوى بالمنشات العامة والدينية التي كانت تُسَدَدْ كُلفتها من قوته ومن خِرَاجْ ارضه ومن مكوس وجزية اهل ذمته، ناهيك عما كانوا يتعرضون له من ظلم واضطهاد كان يجبر الكثيرين منهم الى ترك دينه قسرا.
وعندما كنت امر بشارعي طومان باي وسليم الاول بحي الزيتون، كانت تمر بمخيلتي حقبة اخرى من حقب الظلم والاستبداد التركي، وما يتخلله من مشاهد الغدر والقهر والاضطهاد الذي استمر طيلة العهد العثماني، ليس في مصر وحدها بل وفي كل البلاد التي دانت لهم. حيث كانوا يقودون الرعية بالسياط ويعاملونهم معاملة الانعام، وقد تجسد ظلمهم وقهرهم للشعوب في مذابح الابادة التي قاموا بها ضد الاقليات الدينية والعرقية كالارمينية واللاشورية واليونانية. ومازلنا نعتد بتاريخ الغزاة والظالمين ونشيد بالقتلة والغادرين، تارة باطلاق اسماءهم على الشوارع والاحياء والميادين وتارة بالاشادة بظلمهم عبر تاريخ نلقنه للطلاب والاميين.
وتعود قصة الاحتلال العثماني لمصر الى اوائل القرن السادس عشر عندما كان الاتراك السُنَّة في صراع مع الايرانيين الشيعة. واثناء سيره لملاقاة الخصم في عقر داره، عرج سليم الاول على مقاطعة ذو الغادر، وقد كانت تابعة للسيادة المصرية في العهد المملوكي، وطلب السلطان المدد من حاكم هذه البلدة؛ ولكنه رفض طلبه لازماً الحياد. وبعد انتصار الاتراك على الشاه اسماعيل الصفوي، واثناء عودتهم، مال الجيش التركي على تلك المقاطعة وعاث فيها الفساد واذهق الالاف من ارواح العباد. ونتيجة لذلك دخل المماليك في معركتين خاسرتين ضد العثمانيين: مرج دابق والريدانية، في الاولى لقي السلطان الغوري مصرعه، وفي الثانية قَتل سليم الاول طومان باي بدم بارد وعلق جثته على باب زويلة. واحتل الاتراك مصر وافرغوها من كل غال ونفيس حتى من مهرة العمال والحرفيين الذين ساقوهم الى الاستانه مكبلين.
وظل الاتراك – كغيرهم – لاكثر من ثلاثة قرون يتنعمون في خيرات مصر، ويتقوتون من عرق حرفييها وفلاحيها الذين كانوا يتضورون جوعاً وقد الهبت السياط ظهورهم من اجل رفاهية آل عثمان. ولم يفارق الكرباج متونهم الا في اواخر عهد الاسرة العلوية، عندما اسفرت جهود ناظر(وزير) الاشغال العمومية انذاك المدعو قليني باشا فهمي، عن استصدار فرمان ينهى عن ضرب المصريين بالكرباج. ذلك الرجل الذي اهمله التاريخ المتعصب الاعمى، قد اشرف على تشييد العديد من الطرق والمنشات العامة، كما لم يتوان عن تقديم الخدمات الجليلة لابناء مدينته (مغاغة) فأنشأ بها مدارس للمراحل العمرية المختلفة: ابتدائية واعدادية وعامة وتجارية. واقام مستشفىً متطوراً، وفقا لمقاييس ذلك العهد، كان الى عهد قريب المستشفى الوحيد في المدينة وقراها. كما شيد مسجداً وكنيسة. وقد دفع التعصب الاعمى بالمسؤلين الى ازالة اسمه رسميا عن كل تلك المنشأت الا واحدة هي المدرسة الابتدائية، بينما لا تزال اسماء الغادرين تلطخ الكثير من الشوارع والاحياء والميادين. فماذا لو بدلناها باسماء القيم والمثل الانسانية، فنسكن في شارع العدل والحق والرخاء ويذهب ابناؤنا الى مدارس الجد والتفاني والعطاء. ونسمي الاحياء والميادين بأسماء الخير والسلام والتسامح والاخاء؛ بديلاً عن اسماء الغادرين والقتلة وسافكي الدماء.

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى