قليني نجيب يكتب: ذهاب دون اياب Reviewed by Momizat on . في بلاد الغرب الكافر، قلما يقام احتفال او ينتدى الاهل والاصدقاء دون ان يكون للخمر مكانا بينهم. ولكنهم مع ذلك يفرقون بين وقت العمل ووقت المرح، وقت الجد ووقت الهز في بلاد الغرب الكافر، قلما يقام احتفال او ينتدى الاهل والاصدقاء دون ان يكون للخمر مكانا بينهم. ولكنهم مع ذلك يفرقون بين وقت العمل ووقت المرح، وقت الجد ووقت الهز Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » قليني نجيب يكتب: ذهاب دون اياب

قليني نجيب يكتب: ذهاب دون اياب

قليني نجيب يكتب: ذهاب دون اياب

في بلاد الغرب الكافر، قلما يقام احتفال او ينتدى الاهل والاصدقاء دون ان يكون للخمر مكانا بينهم. ولكنهم مع ذلك يفرقون بين وقت العمل ووقت المرح، وقت الجد ووقت الهزل، لكل شي آنه ومكانه فلا يحتسون الخمر في محل العمل؛ ولا يفترشون المكاتب بالاطعمة. ولا يحولونها الى (غُرزة) للشاي والقهوة، ولا منتدى للنميمة والاغتياب واللعنة. ولا يضيعون وقت العمل في قراءة الصحف والمجلات، ولا في التسامر والغراميات؛ ولا في الجدل في شئون الدنيا وامور الديانات. ولذلك فانهم لم يتقدموا علمياً وانسانياً لورعهم وتقواهم وانما لفصلهم بين الجد والهزل، ولاعمالهم للحق والعدل. ولعدم ريائهم ولوضوحهم مع انفسهم ولأمانتهم وصدقهم مع غيرهم، فلا يظهرون بمظهر التقوى علانية، ويأتون الموبقات خفية.
والخمر ليست شرا في حد ذاتها لان الثمر المختمر وناموس التخمر هو من وضع الخالق، ولكن الاثم هو في سوء استعمالها، وفي مخالفة الاوامر الالهية الخاصة بها. وقد كان الخمر واحداً من الطيبات التي اقبل عليها البشر منذ القديم للترويح عن انفسهم وللحد من الامهم؛ فقبل اكتشاف المخدر الطبي كانوا يستعينون بها على التخفيف من الالام، مثلها في ذلك مثل الدواء؛ بل انها كانت كذلك بالفعل، القليل منها نافع لقليل والافراط فيها مُهلك لكثير. وكما قال ابن سيراخ ” الخمر حياة للانسان اذا اقتصدت في شربها “. ومع ذلك فقد حذر من الافراط في تناولها ” لا تكن ذا باس تجاه الخمر فان الخمر اهلكت كثيرين ” (سيراخ 31).
وقديما كانت الخمر مشروبا تقليديا لدى الشعوب كافة، الحضري منها والبدوي. بل وكانت تستعمل في اداء الطقوس الدينية لدى بعضها. وكان يعتقد بأنها الشراب المفضل لاهل الجنة. ولهذا كان المصريون القدماء يضعون ازقة الخمر بجوار المقبورين. وجاء بالتلمود ان بالفردوس نهر من الخمر الى جانب ثلاثة انهار اخرى: واحد من العسل، وواحد من اللبن، وواحد من البلسم. وكانت الخمر الشراب التقليدي لسكان البادية العربية في العصر الجاهلي، وقد تم تحريمها في العام الثاني عشر او الثالث عشر للدعوة. وعلى الرغم من اجماع الفقهاء على تحريمها الا ان الامام ابا حنيفة اباح ما انتبذ منها وكان غير مسكر. وفي ذلك انشد ابن الرومي قائلا:
احل العراقي(ابي حنيفة) النبيذ وشربه … وقال الحرامان المدامة والسكر
وقال الحجازي(الشافعي) الشرابان واحد … فحلت لنا بين اختلافهما الخمر
وعلى الرغم من ان الوصايا العشر خلت مما ينهى عن شرب الخمر، الا ان التوراة حرمتها عند الصلاة كما جاء بسفر اللاويين: ” خمرا ومسكرا لا تشرب انت وبنوك معك عند دخولكم الى خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا فرضا دهريا في اجيالكم” (لا 10).
كما حرمت التوراة كذلك على المنذورين للخدمة الربانية احتساء اي نوع من الخمور ما هو مسكر وما هو ليس كذلك. كما جاء بسفر العدد ” فعن الخمر والمسكر يفترز ولا يشرب خل الخمر ولا خل المسكر ولا يشرب من نقيع العنب ولا ياكل عنبا رطبا ولا يابسا كل ايام نذره لا ياكل من كل ما يعمل من جفنة الخمر من العجم حتى القشر ” (عد 6)، وذلك على الرغم من ان بعض تلك المحرمات كانت حلا لغير النذير. ومثلها في ذلك مثل تناول الطعام ومثل العلاقة الزوجية، فهي وان جازت في بعض الاوقات الا انها لا تجوز في بعضها الاخر كما في ايام الاعتكاف والصوم والصلاة التى فيها يمثل المرء في حضرة الرب الاله. ونلاحظ في النص السابق – وفي نصوص كثيرة اخرى – انه ميز بين الخمر وهي عصير العنب المنتبذ، وبين (المسكر)، وهو المختمر والمُعَتق والتى عنها نهى الانبياء: ” لا تكن بين شريبي الخمر بين المتلفين اجسادهم ” (ام 23 )، ” الزنى والخمر والسلافة تخلب القلب ” (هو 4). ” الخمر مستهزئة المسكر عجاج ومن يترنح بهما فليس بحكيم ” (ام 20). والترنح ينجم عن الافراط في الشراب وعن ادمان المسكر.
وصدق رسل السيد المسيح على التوراة مُحَرّمِينَ السُكْر والمُسْكِر، فأمر بولس الرسول مسيحي افسس باجتنابه قائلا: ” ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح ” (اف5). ونهى عنه القديس بطرس مازجاً بين السكر والدعارة وعبادة الاوثان في اناء واحد(1بط4). وكان من شروط المفرزين لخدمة الرب ان يكونوا ” ذوي وقار لا ذوي لسانين غير مولعين بالخمر الكثير ولا طامعين بالربح القبيح ” (1تي3). وان يكون الراعي: ” غير مدمن الخمر ولا ضراب ولا طامع بالربح القبيح بل حليما غير مخاصم ولا محب للمال” (1تي 3). ويبدوا ان تيموثاوس كان ممتنعا تماما عن شرب الخمر حتى ان بولس الرسول قد اذن له بالقليل منها من اجل الامه واسقامه الكثيرة وذلك من قبيل اباحة المحظور للضرورة كما في اباحة الفطر للمريض، لهذا قال له ” استعمل خمرا قليلا من اجل معدتك واسقامك الكثيرة ” (1تي 5).
وذكرت التوراة نماذج لسوء استعمال الخمر عندما يتجرعها الانسان الى حد الثمالة فيذهب عنه عقله ويفعل الشر او يصير عرضة للاستهزاء. كما حدث مع حام ابن نوح الذي سكر فتعرى(تك9). وكما حدث مع لوط وابنتيه (تك19). وحدثنا التاريخ عن مآسي كثيرة وقعت نتيجة لتصرفات حمقاء صدرت عن قادة مخمورين، مثل نيرون الذي امر بحرق روما، ولما ذهبت عنه الخمر وادرك الكارثة فانه القى بجرمه على كاهل المسيحيين وشرع ينكل بهم. وروى لنا الانجيل الشريف قَسم هيرودس وهو مخمور عن استعداده لاعطاء ابنة هيروديا نصف المملكة ان ارادت، ولكنها طلبت بإعاذ من امها رأس المعمدان. ومن ينظر في اسباب تداعي وانهيار البيوت الحاكمة في الممالك والامبراطوريات القديمة يرى ان الانحطاط الاخلاقي، الذي انصب على معاقرة الخمر ومضاجعة النساء، كان على قائمة تلك الاسباب. ولكن لا ينبغي ان يغيب عن بالنا ان الشرور والحماقات التي ارتكبها البشر الواعون قد فاقت كثيرا تلك التي فعلها الثملون. فالخمر مثل السكين، قد استخدمها الانسان في صيد الحيوان، كما استخدمها في طعن وذبح اخيه الانسان.
ويقف بعض الناس من الخمر موقفاً عدائياً، ويبغضون شاربيها؛ ولكنهم يقبلون على تدخين التبغ والحشيش وغيرهما من المضرات، على الرغم من ان للخمر نفع في القليل بينما التدخين ضار في القليل والكثير. وهناك من يحرمون الخمر؛ ولكنهم يستبيحون الاعتداء على حرية الاخرين ويغتصبون حقوق الضعفاء والمقهورين. يحرمون الخمر ويحقرون شاربيها لانها تذهب العقول الى حين؛ بينما يستبيحون – بوعي ثاقب – اموال الناس ودمائهم واعراضهم وسحلهم وكشف عوراتهم امام الناس. يلعنون الخمر بينما يستحلون ذبح البشر مثل الحيوانات، ويسبون النساء والفتيات القاصرات. يغتصبون العذارى، ويتسرون بالمحصنات. هؤلاء الذين قيل عنهم انهم ” يُطْعَمُون خبز الشر ويشربون خمر الظلم “(ام4). قد ذهبت عقولهم وضمائرهم الى ظلمات الجهل دون اياب.

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى