قليني نجيب يكتب: دروب الطهارة Reviewed by Momizat on . لعب الماء دورا كبيرا في عقائد وديانات العالم القديم. وكان بالنسبة للبعض هو الاصل الذي خرجت منه كافة الاحياء، وبالنسبة للبعض الاخر كان هو الاساس لكل الاشياء، كما لعب الماء دورا كبيرا في عقائد وديانات العالم القديم. وكان بالنسبة للبعض هو الاصل الذي خرجت منه كافة الاحياء، وبالنسبة للبعض الاخر كان هو الاساس لكل الاشياء، كما Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » قليني نجيب يكتب: دروب الطهارة

قليني نجيب يكتب: دروب الطهارة

قليني نجيب يكتب:  دروب الطهارة

لعب الماء دورا كبيرا في عقائد وديانات العالم القديم. وكان بالنسبة للبعض هو الاصل الذي خرجت منه كافة الاحياء، وبالنسبة للبعض الاخر كان هو الاساس لكل الاشياء، كما قال طاليس فبل ستة وعشرين قرناً. وكما اعتقد المصريون القدماء بوجود محيط ازلي، ومنه خرج تل ازلي وعليه وجد اتوم ابو الارباب من تلقاء ذاته، وتربع على عرش ملكه. ولسوف نقصر الكلام هنا عن دور الماء في التطهير وفي الطقوس الدينية.

ونظراً لاهمية الماء في اداء الطقوس الدينية، لهذا عمد قدماء المصريين الى الحاق ما يعرف بالبحيرة المقدسة الى معابدهم. وهي عبارة عن حوض كبير يتصل بمصدر دائم للمياه. وذلك لينهل منها الكهنة الماء اللازم للمعيشة داخل المعبد وكذلك للاغتسال منه مرتين اثناء الليل ومرتين اطراف النهار. كما كانوا يستعملون الماء في اتمام شعيرة تكريس المَلِك قبل تتويجه. فيصوره احد النقوش الموجودة على جدران معبد كوم امبو ماثلا بين حورس عن يساره وتحوت عن يمينه. ويقوم هذان بسكب الماء على رأس الملك فتنهال قطراته على جسمه في شكل علاماء العنخ التي ترمز الى الحياة.

وحثت الشريعة الموسوية على ضرورة الاغتسال قبل الولوج الى بيت الرب لاقامة الشعائر الدينية والمثول في حضرة العزة الالهية. كما خصت بيت العبادة نفسه بإناء يوضع به ماء ” فيغسل هرون وبنوه ايديهم وارجلهم منها عند دخولهم الى خيمة الاجتماع ” (خر30). وعندما شيد سليمان الهيكل، جعل فيه عشر احواض ليرحض منها الكهنة المكلفون بالخدمة ما علق ياجسامهم قبل الصلاة (2اخبار4).

وكان الرومان من اكثر شعوب الارض اهتماما بالنظافة الجسدية بصفة عامة. فكانت الحمامات العامة والفسقيات تملآ احياء روما وشوارعها. وكانت تأتيها المياه عبر قناطر(ِAqueuduques) ضخمة تمتد لمسافات بعيدة بلغت عشرات الكيلومترات. وقد دفعهم الاعتناء بنظافتهم وبمظهرهم الى الترفع عن غيرهم من الاجناس. ولو كانت الطهارة الجسدانية هي وسيلة التقرب الى الله لكان الرومان هم اقرب المقربين وعلى رأس الصالحين.

وتضمنت كتب الفقه الاسلامي باباً خاصاً بالطهارة شمل كل كبيرة وصغيرة في هذا الموضوع. وفي كتابه ” الاقناع في حل الفاظ ابي شجاع ” الجامع لفقه الامام الشافعي، افرد الشيخ شمس الدين الشربيني لـ ” باب الطهارة ” نحو مائة وثمانين صحيفة، تضمنت اكثر من مائتي قول في الطهارة الجسمية.

وكان الماء يستعمل قديما ليس فقط لغسل اوساخ الجسد؛ وانما ايضاً للتطهير من اوزار النفس فيما يعرف بالمعمودية. وقد كان الاسينيون هم اقدم جماعة مارست طقس التعميد كعلامة فارقة في حياة الشخص المعمد. فيما تنضوى عليه تلك الشعيرة من معنى التطهير والتكريس معاً. وقد مارس يوحنا هذا الطقس حتى انه عرف بالمعمدان، وعرفت معموديته بمعمودية التوبة. ثم مارسه التلاميذ باسم المسيح قبل موته وبعد قيامته. وعنه قال شهيد الحق: ” انا عمدتكم بالماء واما هو فسيعمدكم بالروح القدس” (مر1)”.

والمعمودية المسيحية تعني موت انسان الخطية العتيق وولادة انسان البر الجديد. ولهذا قال بولس الرسول: ” مدفونين معه في المعمودية ” (كو2). مثلما تدفن البذرة في الارض لكي ما تدب فيها الحياة، كذلك يدفن الانسان في المعمودية على مثال موت المسيح وقيامته.

وكان اكثر قادة اليهود في زمن السيد المسيح، يأخذون من الناموس شكله وحرفيته ويهملون جوهره وروحانيته. وقد دفعهم ذلك الى الصلف والكبرياء والتعالي ,والخيلاء. وكان من عوائدهم غسل الايدي قبل الاكل، وهي عادة صحية، ولكنهم لم يضعوها في اطار النظافة العامة وحسب؛ وانما اعتبروها فريضة دينية من يهملها فقد اهمل ركناً اساسيا من اركان الدين. حتى انهم انتقدوا تلاميذ المسيح عندما نظروهم يتناولون الطعام بأيدي غير مغسولة. وراحوا يشتكونهم اليه كأنهم ارتكبوا احدى الكبائر. فقال لهم السيد: ان ما يدخل الفم لا ينجس الانسان، بل الشرور التي تصدر عنه هي التي تنجسه، مثل الزنى والقتل والسرقة والطمع والمكر والكبرياء. ” جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الانسان ” (مر7). ولم تكن شريعة موسى النبي قد تطرقت لمثل لتلك الامور المعلومة عند الناس يالضرورة. وانما تناولت الامور المصيرية والجادة التي اختصرت في الوصايا العشرة.

وذات مرة، دعى احد الفريسيين المسيح الى بيته، وعند الاكل تعجب في نفسه انه لم يغسل يديه قبل الغداء. لانه لم يكن يدرك ان تلك اليد التي خلقت للاكمه عينين. والتي باركت في الخبز والسمكتين والتي طهرت الابرص لم تك بحاجة الى الاغتسال بالماء. وان صاحب تلك اليد الذي اقام الاموات وصنع الايات، فأسكت بحرا مائجاً وشفى مجنوناً هائجاً، انما جاء ليطهر البشرية من ادناس الخطية (1يو1 :7).

وعلم يسوع  بما يدور في خلده فقال له: ” انتم الان ايها الفريسيون تنقون خارج الكاس والقصعة واما باطنكم فمملوء اختطافا وخبثا. يا اغبياء اليس الذي صنع الخارج صنع الداخل ايضا ” (لو11).

لقد دفتعهم السطحية والجهل الى التعليق على امور لا تقل عنهم تفاهة، وانتقدوا عدم غسل الايدي قبل الاكل، بينما كانت اياديهم ملطخة بالدماء. وقلوبهم متقيحة من الصلف والكبرياء. وقد تجاوزت افعالهم تعاليم الرسل وسنن الانبياء. الذين لم يُبعثوا ليحدثوا الناس عن طرق النظافة التي فُطر عليها الانسان والحيوان، بل ان يعلموهم ان يتطهروا من الشرور ويغتسلوا من الآثام. فقال اشعياء النبي ” اغتسلوا تنقوا اعزلوا شر افعالكم من امام عيني كفوا عن فعل الشر” (اش1). وقال القديس بولس: ” لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله ” (2كو7). وقال القديس بطرس: ” طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح للمحبة الاخوية العديمة الرياء ” (1بط1).

لم يعلموهم كيفية تقليم الاظافر وتهذيب اللحية وازالة شعر العانة والابطين وتكحيل العنين، وما الى ذلك من امور كانت الشغل الشاغل لاهل زمانهم. وانما قدموا لهم التعاليم السامية واللازمة لبنيانهم الروحي. لم يعلموا الرعية ان يطولوا او يقصروا جلابيبهم؛ بل ان يلبسوا ثياب البر. ويتمنطقوا بالعدل.

لم يأت حملة الوحي ليفقهوا الناس في كيفية تعطير الجسد بالمسك والعنبر، ولا في مضمضة الفم وتسويك الاسنان – وهي امور مستحبة – بل ليعلموا الانسان ان ” يكفف لسانه عن الشر وشفتيه ان تتكلما بالمكر” (1بط3).وليطيب فمه بالكلام الحسن الذي يفوح منه الصدق والمحبة والسلام(2كو2). وان  يكحل عينيه بكحل البر حتى يبصر الحق (رؤ3). وفوق ذلك لم يطلبوا المجد لانفسهم بل للذي ارسلهم: ” لكي يروا اعمالكم الحسنة ويمجدوا اباكم الذي في السماوات ” (مت5)”

وخلاصة القول ان جوهر الدين لا يمكن اختزاله في ممارسات شكلية قوامها نظافة الجسد وغسل اعضائه؛ انما في تطهير النفس من اوزار الخطية، والترفع عن ملزات الحياة الارضية. ومحبة الانسان لاخيه الانسان انطلاقا من محبته لله كما قال القديس يعقوب: ” الديانة الطاهرة النقية عند الله الاب هي هذه: افتقاد اليتامى والارامل في ضيقتهم؛ وحفظ الانسان نفسه بلا دنس من العالم ” (يع 1).

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى