زينب علي البحراني تكتب: حاضرنا الذي يعيش الماضي Reviewed by Momizat on . سُنة الكون هي النمو والتقدم، وأهم قوانين الحياة يفرض على كل حي استمرار التجدد كي لا يصل إلى مرحلة الفناء والتبدد.. الصلابة في وجه التطور تؤدي إلى الانكسار، والج سُنة الكون هي النمو والتقدم، وأهم قوانين الحياة يفرض على كل حي استمرار التجدد كي لا يصل إلى مرحلة الفناء والتبدد.. الصلابة في وجه التطور تؤدي إلى الانكسار، والج Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » زينب علي البحراني تكتب: حاضرنا الذي يعيش الماضي

زينب علي البحراني تكتب: حاضرنا الذي يعيش الماضي

زينب علي البحراني تكتب: حاضرنا الذي يعيش الماضي

سُنة الكون هي النمو والتقدم، وأهم قوانين الحياة يفرض على كل حي استمرار التجدد كي لا يصل إلى مرحلة الفناء والتبدد.. الصلابة في وجه التطور تؤدي إلى الانكسار، والجمود الطويل يُفضي إلى الموت، والعناد نتيجته الانقراض، فقوانين الكون وسننه الأزلية لا تجامل شكلاً من أشكال الحياة العصيّة على التكيف مهما طال صبرها عليه، والشرائع التي لا تطور من قوانينها وأحكامها لتتواكب مع التطور الإنساني تحكم على المجتمعات التي تتشبث بها بالعزلة ثم الفناء، أو تحكم على قدسيتها بالانطفاء حين يثور هذا الإنسان على اختناقه بها، وهذا ما يحدث اليوم لمجتمعات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

من أهم مميزات الأديان على الأرض أنها وُجدت لمُساعدة الإنسان على تجاوز آلامه والارتقاء بوعيه الروحي، لكن مع مرور الزمن أثبتت بعض المنظومات البشرية أنها ليست أكثر من “حيوانات ناطقة” غير مُفكرة؛ بإصرارها على التشبث بما تسميه “ثوابت دينية” مقابل استحالة ثبات مسيرة التقدم الحضاري والثقافي للإنسان في مكانها لتبقى على خط تلك “الثوابت”، فصاروا يتعاملون معها من منطلق “الحفظ” دون “فهم”، وكأنهم أجهزة آلية قديمة لازالت رهينة برنامج مستهلك لم يعُد صالحا لتلبية احتياجات ومتطلبات الإنسان المُعاصر.. وقد يكون الحفظ دون فهم مقبولاً في التعامل مع الطقوس الدينية الشخصية كالصلاة والصوم لأنها محصورة بالعلاقة الجسدية والروحية بين الفرد وربه، لكنه يؤدي إلى مخاطر تنخر أساس البلدان والمجتمعات إذا صار دستورا جامدًا للقوانين في التعاملات القضائية والعلمية والعملية وغيرها، لأنه يتسبب بأزمات غرائبية مثل أزمة التفاخر بالتخلف التي نعيشها اليوم.

نحن اليوم نعيش فعليًا في ماضي البلدان الأكثر تقدمًا، ولا أظنني أبالغ إن قلت أنه لا يوجد بلد ناطق باللغة العربية أو تهيمن عليه سياسة القوانين الإسلامية يعيش حاضرًا طبيعيًا بعد ثورات “الخريف العربي”، بما فيها منطقة الخليج والجزيرة العربية التي يتصور بعض الأشقاء في بلدان أخرى أنها لازالت تعيش حالة من الرفاه والنعيم بينما هي تتخبط تحت وطأة ظروف مجتمعية واقتصادية غير مُتزنة لا يستطيع الإحساس بها غير مواطني تلك البلدان، ثمة حالة من التخلف اليومي الذي يتجاوز حدود التخلف الفكري والعلمي إلى جذب الإنسان البسيط لظروف ذات مستوى أقل من المستوى الذي اعتاده، أي أننا بعد أن كُنا – في شرقنا الأوسط وشمال إفريقيا- متخلفين أصلاً مقارنة ببلدان أخرى؛ صرنا ننافس أنفسنا في التخلف مقارنة بعامنا الماضي أو شهرنا المنصرم! ومع كبير احترامي وتقديري للمؤمنين بالثورة التنويرية والآملين بنتائجها؛ فإنني لا أشاطرهم تفاؤلهم لأنني أظن أن مثل تلك الثورة الفكرية كان يمكن أن تأتي بنتائج مبهرة قبل الثورات السياسية الشعبية للخريف العربي، أما الآن مع هذا الخراب المُركب الذي سمح لأشكال مدمرة من الفكر الجرثومي بالانتشار والتفشي السريع على أرض المنطقة فلا يمكننا توقع الكثير.. كما أنني ألاحظ أزمة أخرى تلحق بالفكر التنويري شبيهة بأزمة الفكر الديني الجامد؛ وهي أن كثيرين وكثيرات من الشبان والشابات صاروا يعتنقون الفكرة التي يسمعونها من بعض المفكرين المستنيرين بأسلوب الحفظ دون فهم أيضًا! إنهم ينبهرون بها، ويعيشونها، وينشرونها، ويُدافعون عنها دفاعًا واثقا؛ لكنهم لا يتعمقون في فهمها أو يُحاولون تقدير مدى إمكانية تطبيق نصها النظري على أرض الواقع الفعلي بكل ما فيه من احتياجات بشرية متضاربة وإمكانيات متباينة وغرائز وطموحات وأمنيات، وهنا نعود إلى نفس الحلقة المفرغة التي تريد تطبيق قانون واحد إلى الأبد على جميع البشر دون النظر إلى اختلاف ظروفهم سواء كان هذا القانون دينيًا أو بشريًا، ومقابل هؤلاء نرى أولئك الذين لازالوا يُدافعون عن أفكار وقوانين وسلوكيات كانت صالحة للتطبيق في قرون سبقت عصور التنوير، وكانت مقبولة في بدايات بزوغ الإسلام على أرض المنطقة العربية، وكانت تلقى ترحيبًا قبل أن تثبت قوانين أخرى في بلدان ذات أنظمة أساسية غير دينية تفوقها عليها في كل مجال، بل ويُروجون لها ويُعلنون استعدادهم للموت في سبيل حياتها وكأنها أكسجين أرواحهم والسبب الوحيد لميلادهم وموتهم!

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى