عبد المسيح يوسف يكتب: حكايات الحرمان والفل (1): اختفاء الأرانب Reviewed by Momizat on . في أربعينيات القرن العشرين، في أحد مراكز صعيد مصر، في محافظة اسيوط، وتحديدا، مركز صدفا، كانت تعيش هناك عائلة فقيرة، مكونة من زوج ذو عيون زرقاء، اسمه نظيم، وزوجة في أربعينيات القرن العشرين، في أحد مراكز صعيد مصر، في محافظة اسيوط، وتحديدا، مركز صدفا، كانت تعيش هناك عائلة فقيرة، مكونة من زوج ذو عيون زرقاء، اسمه نظيم، وزوجة Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » عبد المسيح يوسف يكتب: حكايات الحرمان والفل (1): اختفاء الأرانب

عبد المسيح يوسف يكتب: حكايات الحرمان والفل (1): اختفاء الأرانب

عبد المسيح يوسف يكتب: حكايات الحرمان والفل (1): اختفاء الأرانب

في أربعينيات القرن العشرين، في أحد مراكز صعيد مصر، في محافظة اسيوط، وتحديدا، مركز صدفا، كانت تعيش هناك عائلة فقيرة، مكونة من زوج ذو عيون زرقاء، اسمه نظيم، وزوجة جميلة الملامح تحمل اسما غربيا جميلا مثل ملامحها، اسمها فيكتوريا.
وكانت ظروفهم المعيشية صعبة للغاية، ويعيشون في فقر كبير، وكان لنظيم وفيكتوريا 4 أبناء، صغار، هم علي الترتيب، فايزة، ويوسف، وجابر، والصغير يدعي مجدي. وكان الفارق بين كل أخ وأخيه عامين فقط.
كان الأب نظيم يعشق عيلته الصغيرة، ولكن ضيق اليد، والفقر في أربعينيات القرن العشرين، في صعيد مصر، كان يفرض عليه أن يتجول بين قرى المراكز المختلفة، ليصيد ما تبقي من ثمار الحصاد في كل موسم. وكان نظيم يصطحب معه أبنه الأكبر، والمفضل لديه، يوسف، لأنه كان يريد أن ينضج هذا الصغير بسرعة، ويكون سنده في الحياة، فالابن سند، عند رجال الصعيد.
وتمر الأيام الصعبة، لتلك الأسرة الفقيرة، ولكن المركب تسير، فالأب والأم والابناء الأربعة، يعيشون، ولكن الحياة صعبة. وفي إحدى المرات، فرح نظيم بأبنائه فأخذهم معه، فلقاه أحد معارفه، واندهش مما يفعله نظيم من تجوله مع أولاد الصبيان الثلاثة، فقال له في وجهه ” يا نظيم خد بالك من حالك وأولادك يا خو .. لا العين تصيبك لا تصيبك ولادك”. وتمر الأيام بحلوها ومرها.
وفي يوم صيف وحرارة الشمس حارقة، والأب نظيم، يتجول بين الحقول، يتصيد ما تجود به الأرض بعد الحصاد، من أجل أسرته، تضربه في سن الشباب، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، “شعرة دم”، ينزف بعدها، وتفقد الأسرة عائلها الوحيد. وتترمل الشابة الجميلة فيكتوريا، وتضربها قسوة الحياة، كيف تعمل لتعول أبنائها الصغار يوسف وجابر ومجدي وفايزة.
ورغم قسوة الحياة في صعيد مصر، لفتاة جميلة، أجبرها القدر علي أن يتركها زوجها الوسيم ذو العيون الزرقاء، ليذهب إلى السماء.
تتعرض فيكتوريا لكثير من الضغوط من أبناء عمومتها وأخوالها ومنهم رمزي، وكذلك من اسرة جارهم محمد عبد المحسن “أبو محمدين” وزوجته الطيبة، لكي تتزوج فيكتوريا بعد نظيم، لتستطيع أن تعول أبنائها الصغار. لكن فيكتوريا تصدم الجميع، رغم أنها شابة في العشرينيات من عمرها، وتؤكد للجميع أنه إذا كان الله أخذ من الزوج، فإنه عوضها بثلاثة أزواج، هم حصنها وسندها وقوتها بعد الله ضد ضربات الحياة.
كانت فيكتوريا تري في يوسف ابنها البكر، الابن والزوج والسند. أجبرت الظروف فيكتوريا أن ترج ابنيها يوسف وجابر، من المدرسة الإرساليات التبشيرية الكاثوليكية في صدفا، بعد وفاة الأب. ليعمل الصغيرين ويكسبها القدر اليسير من المال يساعد الأم المكافحة علي تحمل نفقات وضربات الحياة والحرمان.
كان يوسف طفلا ذكيا، محبا للمدرسة، وكانت تربطه علاقة قوية بإحدى راهبات مدرسة الإرساليات التبشيرية، وتدعي سوزان، وكانت راهبة غربية تقيم في صدفا، وكانت تتولي رعاية الأطفال، وخاصة اليتامى، وكان يوسف يشعر بحنانها ورعايتها، بعد أمه.
لكن ظروف الحياة أجبرته علي ترك المدرسة في الصف الثاني الابتدائي، ليواجه ضربات الحرمان في حياة لا ترحم. ولم يكن أخيه جابر أحسن حالا منه، فقد ترك هو الأخر المدرسة، ليبحث عن أى عمل يساعد الأسرة. وكان مجدي صغيرا، ملازما لأمه فيكتوريا.
وكانت فيكتوريا أصيلة لم تترك أطفاله، لتجري وراء شهوات ورغبات هذه المرحلة السنية، كرست حياتها لأبنائها. وكانت فيكتوريا هي كل الحياة بالنسبة لأبنائها.
وتمر الشهور والسنوات، ويستمر الكفاح، في حياة لا ترحم، والفقر هو سيد الموقف. كانت الايام لا تختلف ولا تتغير، وفي إحدى المرات، تقوم فيكتوريا بإيقاظ طفليها، يوسف وجابر، فجر أحد الأيام، ليذهبا إلى محطة قطارات مركز صدفا، لحمل الشنط للركاب، وكسب بعض القروش، التي يعطونها للأم، لتساعدها علي مواجهة ضربات الحرمان والحياة.
ويبدو أن الأم في إحدى المرات، استيقظت مبكرا جدا، قبل الفجر، بساعات كثيرة، وايقظت الصغيرة، الذي استيقظا، وهما في طريقهما إلى محطة القطارات، توجد ساقية ومقابر، فوجد الصغيران يوسف وجابر، عدد من الأرانب الصغيرة التي تجري أمامهما.
كانت الحياة والحب هي التي تربط بين الأخين، فاتفقا علي أن يجريا خلف عدد من هذه الأرانب ليصطادا بعضها، ويعودا بهما إلى فيكتوريا، لتفرح بهما، ولتبيع البعض منهما، وتطبخ لبقية الأسرة البعض الآخر.
ويبذل كل من يوسف وجابر أقصي جهد، ليملئ “حجر” جلبابه بالأرانب الصغيرة. ويعودا والفرحة طاغية عليهما، ويدخلا من باب منزلهما الصغير المبني بالطوب الأحمر والطين من طابقين. فتسألهما فيكتوريا الأم، لماذا عدتما مبكرا، فتبدو الفرحة علي كل منهما، يحكيا بصوت مبهج عالي ما حدث، وأنهما وجدا في الطريق عدد كبير من الأرانب، وقررا أن يصطادا أكبر عدد منها ويعودا بها للمنزل.
وتبحث الأم في “حجر” جلبابهما، فلا تجد شيئا. فتهم الأم القصة، أن ما وجدها ولديها في الطريق بالقرب من المقابر، لم يكن إلا “عفاريت”. وتخاف الأم علي ولديها، ولا تعاقبهما، ولا تتحدث معهما في شيء.
تطيب فيكتوريا خاطر يوسف وجابر، بعد أن اختفت الأرانب من “حجريهما”. وتأخذ الأم ولديها في حضنها، وتطلب منهما أن يستكملا نومها، ولا يعودا في نفس اليوم من نفس الطريق إلى محطة القطارات. ويدخل الطفلان ليستكملا نومهما.
وتستمر الحياة في ضرباتها، والأم فيكتوريا تبيع في سوق المركز ما يجود به الأيام لتقتات هي وابناءها ما تجود به عليهم الحياة. أما يوسف وجابر، فقدا فرضت عليهما الحياة أن يكبرا قبل الأوان، وأن يعمل كل يوم مع بدء قدوم قطار الصحافة فجر كل اليوم، لحمل شنط المسافرين علي محطة قطارات مركز صدفا.
ومع مرور الايام، كان يوسف طموحا، من حياته في مدرسة للراهبات الفرنسيسكانيات لإحدى الإرساليات التبشيرية في صدفا. ويتحدث يوسف مع أخيه جابر، بأنهما لان يمضيا حياتهما كلها في محطة القطارات لحمل الشنط. ويفكرا ماذا يفعلا.
وبعد تفكير طويلا، يحاولا العمل علي سيارات الأجرة، بين القري والمراكز والمحافظات، ويبدأ يوسف في الحديث مع محمد حسن سائق إحدى السيارات، ويعجب السائق بجرأة الطفل يوسف. ويقوم يوسف بجمع الأجرة في السيارة، التي تعمل بين مركز صدفا، والمراكز المجاورة، مثل: أسيوط وأبوتيج والبداري والغنايم وساحل سليم.
وكان يوسف يجد لذته في المناداة علي المراكز وجذب الركاب في الموقف لسيارة محمد حسن، الذي كان يشفق علي يوسف، كونه يتيما ومخلصا في عمله. ومع مرور الأيام، رغب يوسف في تعلم السواقة في سن الثالثة عشر. وكان محمد حسن مساعدا ليوسف لتعلم السواقة، وكان يترك له السيارة ليقوم بركنها وقيادتها لمسافات صغيرة. وبدأ يوسف يعشق السيارات والسواقة.
وكان صديق يوسف المقرب، محمدين ابن محمد عبد المحسن، يستكمل طريق دراسته بنجاح. ورغم ضربات الحرمان واليتم، لم يشعر يوسف مرة واحدة أنه فيكتوريا قصرت معهم، بل علي العكس كان يراها أصيلة رفضت أن تأتي بزوج أم لهم، رغم ضغوط الجميل عليهم وخاصة أعز صديقتها وجارتها “حظة” زوجة محمد عبد المحسن.
كانت هذه الجارة، تمتلك قدرا عظيما من الحنان لأبنائها الخمسة، وأبناء صديقتها، خاصة وأن ظروف الفقر واليتم كان تفرض علي كل من يعرف هذه الأسرة، أن يشعر تجاهها بالضعف الإنسان، والشفقة.
وتمر الأيام والشهور، ويطلب جابر أن يعمل مع أخيه في موقف السيارات، بدلا من حمل شنط الركاب في محطة قطارات صدفا… “يتبع”

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى