دولا أندراوس تكتب: جعلوني متعصبًا Reviewed by Momizat on . يبدو أنه لا مناص من التطرف. فالتعقُّل والإعتدال والحياد في هذا الزمان، يعرضونك لأخطار التخوين والتشويه والإتهام بالعمالة. وقد يتسبب رأيك الذي حاولت أن تُكوِّنه يبدو أنه لا مناص من التطرف. فالتعقُّل والإعتدال والحياد في هذا الزمان، يعرضونك لأخطار التخوين والتشويه والإتهام بالعمالة. وقد يتسبب رأيك الذي حاولت أن تُكوِّنه Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » دولا أندراوس تكتب: جعلوني متعصبًا

دولا أندراوس تكتب: جعلوني متعصبًا

دولا أندراوس تكتب: جعلوني متعصبًا

يبدو أنه لا مناص من التطرف. فالتعقُّل والإعتدال والحياد في هذا الزمان، يعرضونك لأخطار التخوين والتشويه والإتهام بالعمالة. وقد يتسبب رأيك الذي حاولت أن تُكوِّنه بمنتهى الحكمة والحيادية، وأن تقوله متوخياً تمام الإنصاف والتجرد، في أن تجد نفسك بين عشية وضحاها متلبسًا بتهمة ومدرجًا على إحدی القوائم السوداء ومنتقدًا بأقذع الكلمات وألذع الشتائم. أما أن تكون متعصباً لدين، أو فكر، أو قومية، أو أيديولوجية، أو حزب سياسي، أو جنس، أو لغة، أو فريق رياضي، أو أي شئ على الإطلاق، فلا غضاضة في ذلك إذ أن هذا هو النمط السائد والمقبول مجتمعيًا.
لقد أدت حالة الفوضوى العارمة التي اتسمت بها مرحلة ما بعد الثورة، إلى خلق مجال خصب لإنتاج التطرف والتعصب والإنغلاق الفكري. وساهم هذا في ترسيخ جو عدائي مشبع بمفردات الخلاف والتصنيف والإقصاء. فأصبح النمط الشائع هو التعصب والتحجر الفكري، وأصبح السلوك الطبيعي هو عدم قبول المخالف واستعداءه والتشدد في التعامل معه، وأعطى كل إنسان لنفسه الحق في تصنيف و’قولبة’ الآخرين تبعًا لانتماءاتهم أو ما يظنه هو أنه انتماءاتهم.
في هذا الجو المفعم بالكراهية، المشحون بالعداء أصبح الإعتدال خطراً ذا بعدين، أولهما شخصي وثانيهما عام. أما البعد الشخصي فهو أن بقاءك على الحياد دون أن يكون لك موقف حاسم صارم تجاه ما يجري من أمور وأحداث، يجعلك شاغرًا ومستهدفًا للتصنيف، ويغري الآخرين على إختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم ومعتقداتهم بتفسير حياديتك كيفما يحلو لهم، مما يضعك في قالب لم تختره أنت وقد لا ترضاه لنفسك. أما البعد العام، فهو محاولة بعض المجموعات المتطرفة دس السم في العسل عن طريق التسلل إلى الفكر المحايد ودعمه إلى حين، ثم السعي لتسريب أفكارهم المسممة المشوبة بكثير من المغالطات والأخطاء من خلاله.
لذلك، ومن منطلق أن المُرّ الذي أختاره لنفسي أفضل من الحلو الذي يختاره لي غيري، ورغبة في اتقاء المتاعب التي يجلبها الحياد وجد كثيرون أنفسهم مدفوعين إلى التعصب لشيء ما. بالإضافة إلي هذا فإن للتطرف والتعصب إغراءات لا نستطيع إغفالها، منها أنه يدفع عن المرء عبء التفكير ويجعله يجند عقله للدفاع عن آراء الكيان أو المنظومة أو المؤسسة التي ينتمي إليها وهي آراء موضوعة مسبقاً ومعصومة بغض النظر عن مدى صوابها أو خطئها. كذلك فإن التعصب يسبغ علي المرء مهابة تجعل الآخرين يخشون بطشه ويتجنبونه لعلمهم أنه يفتقر إلى التعقل والقدرة على التسامح والنقد الذاتي. أما الميزة الأهم للتعصب فهي الشعور بالإنتماء لجماعة أو لعصبة تتكالب وتتضافر معك ضد المخالفين المناوئين ظالمًا كنت أو مظلومًا.
ليس هذا المقال دعوة للتعصب.. لكنه رصد مشاكس لظاهرة اجتماعية في مجتمع غابت عنه أخلاقيات التعامل مع الآخر المخالف وفشل في تحقيق التوازن بين حقه في التحيز لما لديه، مع احترام حق الآخرين في التحيز لما لديهم أيضاً. والنتيجة تنافر يهدم المجتمع بنخره من الداخل. فلنحذر هذه الآفة ولنحاول تقييم الأمور بشكل عادل وبعيد عن التحيز قدر الإمكان.

dandrawes0@gmail.com

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى