د. أسامة عثمان يكتب: “أنا لغتي” Reviewed by Momizat on . بالإذن من الشاعر محمود درويش..ماذا تمثِّل للإنسان لغتُه؟ ماذا تمثل للعربي تحديدا، لغتُه؟إنها من ألصق المكوّنات بشخصيته، بذاكرته، بصدى معانيه، من أهم عناصر هُويت بالإذن من الشاعر محمود درويش..ماذا تمثِّل للإنسان لغتُه؟ ماذا تمثل للعربي تحديدا، لغتُه؟إنها من ألصق المكوّنات بشخصيته، بذاكرته، بصدى معانيه، من أهم عناصر هُويت Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » د. أسامة عثمان يكتب: “أنا لغتي”

د. أسامة عثمان يكتب: “أنا لغتي”

د. أسامة عثمان يكتب:  “أنا لغتي”

بالإذن من الشاعر محمود درويش..ماذا تمثِّل للإنسان لغتُه؟ ماذا تمثل للعربي تحديدا، لغتُه؟

إنها من ألصق المكوّنات بشخصيته، بذاكرته، بصدى معانيه، من أهم عناصر هُويته ، فاللغة لا تقتصر على كونها وعاءً للفكر، أو أنها ” أصواتٌ يعبِّر بها كلُّ قوم عن أغراضهم” كما يقول العالم اللغوي ابن جنِّي. لأنها تتعدى ذلك؛ لتمازج الشعور، وتصبح لغة الوجدان، أيضا، فضلا عن كونها، المساحة المشتركة الجمعية للعرب، الذين يعبرون بها عن آمانيهم وآمالهم المشتركة.
بل إن اللغة تطبع التفكير ببعض سماتها، وتتماهى به، فلا تفكير دون لغة، ولا لغة أو كلام دون تفكير. وقد نلحظ غلبةَ اللغة الانفعالية عند الناس في فترة ضعف الفكر، والمناهج العلمية العقلانية. كما قد نلحظ طغيان التعبيرية الإنشائية عند غياب الأفكار، أو طغيان العواطف.
من جهة أخرى تتعانق اللغة والفكر، كما في الخيارات الأسلوبية للمتكلم التي تراعي المعنى الذي يريد إظهاره، وتسليط الضَّوْءَ عليه، كما يفعل المتكلم حين يُقدِّم المعنى الأهمَّ له في أول الجملة، كما يراعي أهمية المعاني للمخاطَب، كذلك.
كما تتأثر اللغة بالبيئة، أيضا، مكانا وزمانا. كما جاء في القصة المنسوبة إلى الشاعر العباسي عليّ بن الجهم.
الذي قيل إنه مدح الخليفة العباسي، المتوكل، بأبيات قال فيها:
“أنتَ كالكلبِ في حفاظِّـك للـوُدِّ و كالتَّيسِ في قراعِ الخطوبِ
أنتْ كالدَّلو لا عدمنـاكَ دلـواً طويلُ الرشاء كثيـر الذَّنـوبِ

فعرف المتوكل قوته ، و رقّة مقصده و خشونة لفظه ، وذلك لأنه وصف كما رأى و لعدم المخالطة و ملازمة البادية . فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة، فيها بستان يتخلله نسيمٌ لطيف، والجسر قريب منه ، فأقام ستة أشهر على ذلك، ثم استدعاه الخليفة لينشد ، فقال :
عيون المها بين الرُّصافـة والجسـر
جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري”
وهذه القصة الطريفة- بغض النظر عن ثبوتها، بهذه التفاصيل، أو صحة انتسابها للشاعر علي بن الجهم- تجسِّدُ تأثُّرَ الخطاب، بصفة عامة، والخطاب الشعري الإبداعي، بالبيئة.
والآن، أصبح الخطاب يتسع ليشمل الوسط المعرفي بين طرفيه: المتكلم والمخاطَب، فلا بد من أرضية مشتركة، تتجاوز مجرد فهم لغة الخطاب اللغوي، إلى إدراك ثقافة المخاطَب والمشتركات المعرفية الضرورية بينك وبينه. تلك المشتركات التي قد تقل، وقد تكثر، وهي مع قلتها تكون واسعة؛ لأنها حينها ستفعّل المشتركات الإنسانية، ومن ثم يمكن البناء عليها قواسم معرفية أخرى.
وكثيرا ما نُؤتى، نحن العرب، في أثناء تواصلنا، أو فَلْنَقُل، محاولة التواصل بيننا، بعقم العملية الخطابية، او إخفاقها، بل انعكاسها إلى الضدِّ، من العداوة والاحتراب، ذلك قد يكون ناجما عن سوء الفهم والإفهام، أو عن انتفاء الأرضية الفكرية، أو الثقافية المشتركة، او الفشل في تفعيلها، والبناء عليها؛ ذلك قد يكون عائدا إلى أسباب لغوية، أي إلى ضعف الكفاية اللغوية، والقدرة على التعبير المفهم، والبلاغ المبين، أو قد يكون ناجما عن تأزمات سيكولوجية تزدهر وتترعرع في يئة سياسية اجتماعية مأزومة.
فاللغة مرآتُنا، نحتاج إلى معرفة خصائصها، لا شك في ذلك، لكن تلك الخصائص وحدَها، ليست كافية، إذا انعدمت البيئة الصالحة، أو لنقل، الطبيعية الخالية من الهواجس والشكوك.
o_osaamah@hotmail.com

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى