قليني نجيب يكتب: ساويرس بين مطرقة السلطة وسندان المغرضين Reviewed by Momizat on . ولد ابو البشر جارود ساويرس ابن المقفع في النصف الاول من القرن العاشر الميلادي، في منطقة " كا - هي – رع " - القاهرة في لسان العرب -، في المكان الذي ضرب حوله جوهر ولد ابو البشر جارود ساويرس ابن المقفع في النصف الاول من القرن العاشر الميلادي، في منطقة " كا - هي – رع " - القاهرة في لسان العرب -، في المكان الذي ضرب حوله جوهر Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » قليني نجيب يكتب: ساويرس بين مطرقة السلطة وسندان المغرضين

قليني نجيب يكتب: ساويرس بين مطرقة السلطة وسندان المغرضين

قليني نجيب يكتب: ساويرس بين مطرقة السلطة وسندان المغرضين

ولد ابو البشر جارود ساويرس ابن المقفع في النصف الاول من القرن العاشر الميلادي، في منطقة ” كا – هي – رع ” – القاهرة في لسان العرب -، في المكان الذي ضرب حوله جوهر الصقلي سورا، وبنى داخله قصرين: الغربي الصغير له، والشرقي الكبير لمولاه المعز. وعاصر ابن المقفع حكم الدولتين الطولونية والاخشيدية، كما شهد الاحتلال الفاطمي للبلاد سنة 969 م.
ومنذ صباه، اقبل صاحب السيرة على دراسة العلوم الدينية والدنيوية، واتقن اللغة العربية، مما أهله للعمل في الدوواين ايام الاسرة الاخشيدية. وقد عرف بحدة ذهنه وبسرعة بداهته، فمن قبيل الدعابة، او قل من قبيل الاستخفاف والمكر، سأله يوما قاضي القضاة: هل هذا الكلب نصراني ام مسلم ؟ فاجابه ساويري: سله فهو يجيب عن نفسه. فقال القاضي: الكلب لا يتكلم، ونريد ان نسمع رأيك. فقال ابن المقفع: ان اليوم جمعة، والنصارى لا ينتبذون ولا يأكلون اللحم، فضعوا امامه اللحم والنبيذ، فان امتنع يكون نصرانيا وان اكل يكون مسلماً؛ فتعجب الحضور من سرعة بداهته.
وتخلى ابو البشر عن وظيفته المرموقة، وفضل الجلوس مع الله عن مجالسة اكابر القوم، وطلب الرهبنة فنال الاسقفية. ويعلق الاستاذ عبد العزيز جمال الدين على ذلك بقوله: ” ان هذا دليل قاطع عن تقواه وورعه وخبرته بامور السلطة التي خدمها وعرف عنها الغدر السريع والانتقام لاتفه الاسباب “. وتمت رسامته اسقفا على مدينة الاشمونين شمال غرب ملوي.
والف ابن المقفع مجموعة من الكتب مثل ” الدر الثمين في ايضاح الدين” الذي اثراه باقوال الاباء وبآيات الكتاب المقدس التي كان له السبق في ترجمتها الى العربية. وكتاب “المجامع”، الذي افند فيه ” نظم الجوهر ” للبطرك الخلقدوني سعيد بن بطريق. وكتاب ” الباهر في الرد على اليهود والمعتزلة “، والذي انكر فيه علي الفريقين قولهم بان صفات الباري الذاتية ما هي الا اسماء للذات، وليست صفات حقيقية. ومن جملة ما قاله فيهم ” فمن انكر هذه الصفات وقيامها وازليتها فقد انكر ما قد اعترف به، وجحد ما قد اقر به، كما فعل اليهود، والمعتزلة الذين يجعلون صفات الباري اسماء خالية من المعاني “. وكتاب ” نظم الجوهر والدرر في الرد على القول بالقضاء والقدر “، وكتبا ورسائل اخرى كثيرة، جذبت انظار النساخ واقلامهم نظرا لأهميتها.
ويعنينا من كتبه، كتاب السير؛ وقد سرد فيه تاريخ البطاركة والرعية وعلاقتهم بالولاة والحكام، وما جرى في ايامهم من حوادث وصروف وخطوب وظروف؛ من حوادث طبيعية واحداث بشرية وتدخلات ربانية. وقد أرخ لحقبة كبيرة من تاريخ مصر وكان – كغيره – احد المصادر التي اعتمد عليها عدد من المؤرخين، على الرغم من حملة التشكيك التي يثيرها بعض المغرضين في صحة مروياته. فيأخذون عليه ذكره لبعض الايات والمعجزات مثل معجزة نقل جبل المقطم التي ما كان له ان يتجاهلها ويذكرها وقد شهدها بنفسه، كما شاهدتها جموع من البشر وفي مقدمتهم راس السلطة ورجاله.
وكان المعز يحب ان يؤم المحاورات والمجادلات الدينية والعقائدية في قصره، وكان على رأس الحضور البابا ابرام، ويعقوب ابن كلس الذي كان يهوديا ثم اعتنق الاسلام على المذهب الشيعي، واصبح اول امام للجامع الازهر.
وكان البابا يستعين على المناظرات والحوارات اللاهوتية والرسائل المجمعية بحبر الامة وعالم الملة الانبا ساويرس صاحب السيرة. الذي من المرجح ان البابا استدعاه من الاشمونين ليبقى الى جواره، ويجادل عنه نظرا لسعة اضطلاعه بامور الدين والدنيا.
وذات يوم وشى ابن كلس الى الخليفة ان بالانجيل آية تقول ” لو كان لكم ايمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل” (مت17). فوضع الخليفة شرطا لبقاء البطرك ورعاياه على دينهم ان ينقلوا له الجبل كما ورد بكتابهم.
ويخبرنا الانبا ساويرس – وهو شاهد عيان – ان البابا ابرآم ابن زرعة طلب من المعز ان يمهله ثلاثة ايام، قضاها صائما جاثيا متضرعا الى الله. وبعد انقضائها جعل البابا والخليفة قبلتيهما الى الجبل الشرقي، وبرفقتهما جموع غفيرة. وهناك صلى الجمع وفي مقدمتهم سمعان الخراز، حتى استجاب الله للدعاء، فاهتز الجبل، وعبر البلاء. ورجع ابن كلس ندي الجبين. والبابا مرفوع العين. بشفاعة المصطفاة على نساء العالمين.
وفي الوقت الذي ينكرون عليه ذكره لمعجزة شهدها جمع غفير من الناس، ورواها غير واحد من المؤرخين؛ تراهم يصدقون خوارق لا اول لها ولا اخر اكثرها جاءت من غير شهود، مثل قولهم بان جنية هجمت على انسي في غرفة نومه وعرضت عليه نفسها فانجب منها بلقيس واخويها. وأن جني آخر حاذق نقل عرش ملكة سبأ من اليمن الى فلسطين في طرفة عين.
وفي العموم، لم تشغل مساحة المعجزة في ” سير الاباء البطاركة ” سوى النذر اليسير من مجمل الكتاب الذي انبرى على ذكر الحوادث التاريخية سواء التي عاصرها المؤلف بنفسه او تلك التي جمعها من مصادر اخرى كانت في حاويات الاديرة.
وكان المعز – وهو شيعي المذهب – قد اودع ثقته في اهل الكتاب من المسيحيين واليهود، وعهد الى كثير منهم بادارة شئون الدولة، فاوغر ذلك صدر بعض الحاقدين، الذين كانوا يؤلبون الغوغاء ضدهم بين الحين والحين، وما بين الحينين، فكان ما يلقاه الافراد من امتيازات، يلاقيه المجموع من افتراءات واعتداءات طالت انفسهم وكنائسهم وبيوتهم واموالهم واعراضهم.
وحاول المغرضون ان يفسدوا العلاقة بينهم وبين المعز؛ ولكنهم لم يفلحوا؛ الا انها ساءت بعد ذلك في ايام الحاكم الذي لاقى الكتابيون في عهده اضطهادات فاقت ما تلقاه بعض الموظفين من امتيازات في عهد جده اضعافا مضاعفة؛ وقد اتحفنا ببعضها ابن كثير في البداية والنهاية، والمقريزي في الخطط.
ويُتهم ابن المقفع ايضا بالمبالغة في وصف المظالم التي وقعت على الاقباط من قبل بعض الولاة والحكام، مثل ابن شريك، وابن طولون، وابن المدبر، وغيرهم. وهو اتهام ليس في محله، لان تدوين المظالم لم يقتصر عليه وحده؛ بل سبقه ولحقه في ذكرها كثيرون بدءا من النقيوسي، الذي كان شاهد عيان للغزو العربي؛ وحتى وقتنا هذا الذي تُسجل فيه المظالم والاعتداءات بالصوت والصورة؛ ومرورا بمرويات ابن عبد الحكم، والطبري، وابن كثير، والمقريزي، وابن اياس، والبغدادي، وغيرهم. بل وبلغت الامانة والدقة عنده انه ذكر مساوئ ومحاسن الولاة على حد سواء، وهي من سمات الموضوعية والنقد المحايد.
وقام ابن المقفع – كغيره – بتدوين الوقائع التي عاصرها او شاهدها بأم عينه، ولم يقتصر على تدوين اخبار الكنيسة بمعزل عن الدولة، ولكنه سرد تاريخ المصريين وعلاقتهم بالحكام والغزاة؛ وعلاقة المصريين المأزومة ببعضهم البعض، والذين نجح المحتل في قسمهم الى قسمين: قسم المؤمنين وقسم الكفار؛ قسم الذميين، وقسم الاحرار. وذكر المؤرخون سالفي الذكر كثيرا من الوقائع التي بادر فيها الغوغاء بالتعدي على اخوانهم في الوطن، وهدم بيعهم، ولم يكفهم ما كانوا يتعرضون له من ظلم الولاة واجحافهم في جباية الجزية والخراج، وسوء المعاملة، انطلاقاً من الاستعلاء والاستحلال والتكفير والتحقير…

قليني نجيب – مونتريال

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى