إيليا مقار يكتب: يوميات مهاجر – صديق إبنتي Reviewed by Momizat on . لم يتخل عن عادته القديمة حتي بعد مرور ثلاثة سنوات منذ هاجر وزوجته وطفلتاه من مدينتهم الصغيرة شمال القاهرة الي مدينة ساحلية بولاية كاليفورنيا. كان يعود من العمل لم يتخل عن عادته القديمة حتي بعد مرور ثلاثة سنوات منذ هاجر وزوجته وطفلتاه من مدينتهم الصغيرة شمال القاهرة الي مدينة ساحلية بولاية كاليفورنيا. كان يعود من العمل Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » إيليا مقار يكتب: يوميات مهاجر – صديق إبنتي

إيليا مقار يكتب: يوميات مهاجر – صديق إبنتي

إيليا مقار يكتب: يوميات مهاجر – صديق إبنتي

لم يتخل عن عادته القديمة حتي بعد مرور ثلاثة سنوات منذ هاجر وزوجته وطفلتاه من مدينتهم الصغيرة شمال القاهرة الي مدينة ساحلية بولاية كاليفورنيا. كان يعود من العمل بعد يوم طويل ليتناول وجبة العشاء (مازال يسميها الغذاء)، يلقي بنفسه علي الأريكة، ويبدأ في تصفح ما تيسر من جرائد عربية محلية مجانية تحضرها له زوجته من المتجر العربي المجاور.

لم يكن هذا اليوم يختلف كثيراً عن سابقيه. كان مسترخياً يطالع الجرائد ويلقي في فمه بحبات الفول السوداني حينما قاطعته إبنته ذات التسعة أعوام بحزم: “بابا. بابا أنا عاوزة boyfriend”. شيئأ فشيئا، بدأت تري وجه والدها يطل عليها ببطء من خلف الجريدة بعيون متسعة متسمرة وفم مفتوح. إبتهجت الفتاة لأن ولادها إهتم بما قالت، فبدأت في تعزيز طلبها بما إعتقدت أنه أسباباً منطقية، قالت: “ماهو لو معنديش boyfriend، أصحابي هيقولي عليا lesbian”. وهنا، بدأت حبات الفول تتساقط من فم الرجل، وساد صمت رهيب في ارجاء المنزل.
في مدينته الريفية، كان النطق بكلمات مثل هذه يجعلك مرشحا بقوة (وبعنف أيضا) لأن يهوي كف أبيك علي قفاك قبل أن يعقبه شبشب والدتك الطائر محاولاً النيل منك قبل أن تختفي في أحد الأركان. لم تنتظر الأم كثيراً، تحركت بحذر نحو إبنتها وجذبتها من يدها متسائلة “إنتي جبتي الكلام ده منين بس؟؟؟”. أما الرجل، فقد أًسقط في يده، فجأة وجد نفسه في مواجهة مع ثقافة غربية إعتقد أن بإمكانه أن يتجنبها ويتعالى عليها بل و يلعنها فإذ بهذه الثقافة تنتصر عليه وتقتحم منزله وتحتل عقل فتاته الصغيرة.

ذكرتني قصة الرجل بصديق أخر أتى مهاجراً الي الولايات المتحدة، كان قد وجد فرصة للتدريب في محطة بنزين تديرها سيدة مصرية (يندر أن تجد مصري لم يبدأ في الولايات المتحدة بمحطة بنزين وسيارة كامري وهو تقليد نحرص علي أن نسلمه للأجيال التي تأتي بعدنا). حدثته السيدة عن بناتها وكيف أنها ربتهن فأحسنت تربيتهن. وكيف أن بناتها –وهن في المرحلة الثانوية- لا يخرجن من الباب إلا للذهاب للمدرسة، قالت السيدة متفاخرة أنه -وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً في ال”غربة”- ليس لديها “تليفزيون” في المنزل، فكل ما يعرضه “التليفزيون” –حسب كلامها- يهدف لزرع قيم غربية غير إخلاقية في عقول أبنائنا حتى وإن كان عن طريق أفلام الكرتون. لم تمنع هذه الثقافة الأخلاقية، ومظاهر التقوى، السيدة من أن تستحل جهد الشباب المصري العامل بالمحطة ومن أن تقوم بإخضاعهم “لتدريب” لمدة أسابيع دون أن تدفع لهم أجراً وهو ما يخالف القانون.. والأخلاق.. والدين.

إن رفض الثقافة التي تعيش فيها وتحتك بها يوميا، تجعلك في خصومة من طرف واحد مع المجتمع الذي لا يهتم بخصومتك كثيراً، ويبدأ الخطر الحقيقى عندما تحاول أن تجعل أطفالك يحاربون هذه الثقافة بالوكالة. ومما رأيت وعاصرت، تنتج عن هذه المواجهة، إما أبناء إنفرط عقدهم وكرهوا كل ما يمت ب”مصر” بصلة بما فيها والديهم، أو أبناء متزمتون يعانون من مشاكل في التوافق مع المجتمع.

أعتقد أنه إن كنت تريد أن ينشأ أبناؤك نشأة نفسية سليمة في مجتمعهم الجديد، فعليك أن تبدأ بنفسك بأن تقبل أنت بالثقافة الجديدة التي وفدت اليها بإرادتك، عليك أن تدرك أن الإنحراف موجود في أكثر المجتمعات تشدداً كما هو في المجتمعات المنفتحة، الفرق هو أن ثقافة المجتمع هنا (في الغرب) شفافة، ظاهرها كباطنها. إن مقاومتك للثقافة الجديدة تمنعك من أن ترى أن أخرين من اهل هذه البلاد يشاركونك نفس “المعايير الأخلاقية” ويفهم أبناءهم لماذا لا يجب أن يكون لهم boyfriends أو girlfriends حتى المرحلة الجامعية، عليك أن تُعَلِم أبناءك أنه من المقبول جداً أن يكون لهم أصدقاء من الجنس الأخر طالما إتفقت معهم علي معاييرالصداقة ومواصفات الصديق. والأهم، هو أنه إن رغبت أن تمنع إبنتك من أن يكون لها boyfriend، فعليك أن تكون لها boyfriend .

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى