سعيد شعيب يكتب : أبن رشد لم يكن “عربي” كان “أسباني مسلم” يتحدث العربية ( 2 من 2 ) Reviewed by Momizat on . كما شرحت في الجزء الأول من هذه الدراسة "كذبة كبيرة اسمها الحضارة العربية الإسلامية"، أنه من المستحيل أن يؤسس هؤلاء الغزاة القادمين من الصحراء حضارة، فهم قبائل م كما شرحت في الجزء الأول من هذه الدراسة "كذبة كبيرة اسمها الحضارة العربية الإسلامية"، أنه من المستحيل أن يؤسس هؤلاء الغزاة القادمين من الصحراء حضارة، فهم قبائل م Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » سعيد شعيب يكتب : أبن رشد لم يكن “عربي” كان “أسباني مسلم” يتحدث العربية ( 2 من 2 )

سعيد شعيب يكتب : أبن رشد لم يكن “عربي” كان “أسباني مسلم” يتحدث العربية ( 2 من 2 )

سعيد شعيب يكتب : أبن رشد لم يكن “عربي” كان “أسباني مسلم” يتحدث العربية  ( 2 من 2 )

كما شرحت في الجزء الأول من هذه الدراسة “كذبة كبيرة اسمها الحضارة العربية الإسلامية”، أنه من المستحيل أن يؤسس هؤلاء الغزاة القادمين من الصحراء حضارة، فهم قبائل متنقلة غير مستقرة. كما أنهم لم ينشغلوا بنشر الدين، وقت غزوهم مصر لم يكن الكتاب المؤسس للإسلام” القرآن الكريم” قد تمت كتابته بعد. ولم يذكر المؤرخون العرب المنحاذون لهؤلاء الغزاة أنه كان من بينهم رجل دين واحد .بل ضموا إلى جيشهم “المرتدون” الذين حاربهم سيدنا أبو بكر عليه السلام. فلم يكن الدين هو سبب عزوهم لشعوب اخري، لذلك اختاروا غزو شعوب متحضرة غنية، لم يذهبوا مثلاً إلي الشعوب التي تعيش في صحراء افريقيا، لكن غزوا مصر والشام والعراق وفارس والهند وشمال افريقيا واوروبا.
والآن نكمل الرد علي ما يدعيه الإخوان والإسلاميين والقوميين (بعثيون وناصريون) : هل توجد فعلاً “حضارة عربية اسلامية”؟
يقول أبن خلدون : كنا قدمنا أن الصنائع من الحضر، والحضر لذلك العهد هم العجم أو من في معناهم من الموالي وأهل الحواضر، الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف، لإنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس، فكان صاحب صناعة النحو سيبويه والفارسي من بعده والزجاج من بعدهما، وكلهم عجم في أنسابهم. وإنما ربوا في اللسان العربي، فأكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب، وصيروه قوانين وفناً لمن بعدهم. كذا حملة الحديث الذين حفظوه على أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللغة والمربى لإتساع الفن بالعراق. وكان علماء أصول الفقه كلهم عجماً، وكذا حملة علم الكلام وكذا أكثر المفسرين. ولم يقم بحفظ العلم وتدوييه إلا الأعاجم. وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: ” لو تعلق العلم بأكناف السماء، لناله قوم من أهل فارس ” .
لاحظ أن حتى لغة ودين العرب “الإسلام” وقتها تخصص فيهم من هم ليسوا عرباً. هؤلاء العرب القادمين من صحراء الجزيرة العربية، لم يكتفوا بإحتلال الشعوب وسرقة ثرواتها ومنتجاتها الحضارية،بل احتقروهم، نعم احتقروهم، وكانوا يتفاخرون بانفسهم باعتبارهم “اهل السيف” . مظاهر إحتقارهم، على سبيل المثال، للمصريين الذين يصنعون الحضارة لا اول له ولا اخر . ساذكر منها القليل، مثل المؤرخ عربي مسلم هو المقريزي الذي يصف المصريين بـ : الدعة والجبن والقنوط والشح وقلة الصبر والرغبة في العلم وسرعة الخوف والحسد والنميمة والكذب والسعي إلى السلطان وذم الناس بالجملة، فيغلب عليهم الشر والدنية التي تكون من دناية النفس .. وهذه الشرور ليست عامة لكنها موجودة في أكثرهم ومنهم من خصه الله بالفضل وحسن الخلق وبرأه من الشرور، ومن اجل توليد أرض مصر الجبن والدنيئة في النفس لم تسكنها الأسد، وإن دخلت ذلت ولم تتناسل ، وكلابها أقل جرأة من كلاب غيرها من البلدان، وكذلك ، وكذلك سائر ما فيها اضعف من نظيره في البلدان الأخرى ، ما خلا ما كان منها في طبعه ملايمة كالحمار والأرنب” . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص :” لما هبط ابليس وضع قدمه بالبصرة وفرخ في مصر”. أي انه انجب ذرية في مصر.
أليست هذه عنصرية، وهل الإسلام أمرنا بأن نكون عنصريين ونفرق بين خلقه، ونحتقر بعضاً من خلقه؟ هل هؤلاء كانوا مشغولين بالإسلام أو بتطبيق قيمه الكلية؟
بالتأكيد لا. الجزيرة التي جاء منها العرب ليس فيها الأسود التي يتفاخرون بها باعتبارها رمز الشجاعة. في حين أن تاريخ الأقباط الدامي مع الأسود مختلف، حيث كان يتسلى الأباطرة والحكام بمشاهدة الأسود تهاجم المعارضين في حلبة المصارعة وتفتك بهم وسط صيحات الفرح والتشجيع. .. وقد أعاد بعض الحكام العرب هذا التقليد ضد مخالفيهم من المصريين. لذلك كثير من النصوص القبطية تستخدم تشبيه الأسد بالتدليل علي الشراسة وحب سفك الدماء.
ثقافة المصريين مختلفة. ما زلت اذكر الروائي المصري المعروف الذي ينتمي الى اصول بدوية ( القبائل العربية التي استوطنت مصر، أي استعمار استيطاني ) أنهم حتى الآن يحتقرون الفلاحين ويرون أن العمل في زرع الأرض عمل دنيئ لا يليق بهم. واتذكر زميل صحفي مصري كان يحكي دوماً بفخر عن قبيلته التي تعيش في الصعيد، ويفخر أكثر بنسبها العربي فهم قادمون من صحراء الجزيرة واستوطنوا مصر.فرغم اندماجهم وزوبانهم في المجتمع المصري ما زال كثيراً منهم يحمل إستعلائية المستعمر.
فهؤلاء الغزاة الذين عبر عنهم المقريزي فيما ذكرته سابقاً ، يستمتعون بإستهلاك المنتجات الحضارية المصرية، وفي ذات الوقت يحتقرون الشعوب التي أنتجتها. هذا طبيعي لأن الغزو والإحتلال لا يستند الي المحبة والتسامح، لا يستند الى القيم الكلية للإسلام. فلا توجد امبراطورية استعمارية تأسست علي الحب. لابد ان تكره وتحتقر الشعب الذي سوف تحتله، لابد ان تجد المبرر لنفسك لترتكب هذه الجريمة.
المشكلة ان هؤلاء الغزاة حولوا الكراهية والعنف والإرهاب الى دين يسمونه للأسف “الإسلام”. من هؤلاء الذين احتقرهم الغزاة من اسسوا صرح اللغة العربية، ووضعوا قواعدها وشيدوا بنيانها، ولم يكونوا من العرب. سيبويه الذي يعد كتابه دستور اللغة أول وأروع تدوين وتصنيف لقواعدها النحوية، إلى ابن جني الذي وضع نواة فقه اللغة، مروراً بالجرجاني مؤسس علم البلاغة، وصولاً للفيروز آبادي صاحب القاموس المحيط، كان العديد من جهابذة العربية من أصول غير عربية تنوعت بين الفارسية والرومية وصولاً إلى بربر المغرب العربي الذي نبغ فيهم الجزولي صاحب مقدمة النحو الشهيرة.
البخاري – بخاري ، اوزبكستان
مسلم بن الحجاج – نيسابو ، ايران
النسائي – نسا ، تركمستان
الترمزي ترمذ ، اوزبكستان
بن ماجة – قزوين، ايران
سيبويه – شيراز ، ايران
محمد بن جرير الطبري ٠ طبرستان ، ايران
المقريزي – مصر
ابن سينا- فارس ايران
عباس بن فرناس – امازيغيولد في اسبانيا
ابن بطوطة – امازيغي ولد في المغرب
الفارابي – تركستان
ابن البيطار – الأندلس، اسبانيا
ابن رشد – الأندلس – اسبانيا
الذي بني مسجد الصخرة رجاء بن حيوه وهو مسيحي أسلم ومعه يزيد بن سلام مسيحي وكان عبداً لعبد الملك بن مروان. لذلك يقول بن خلدون : ويبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم موفورة، وخصوصاً في عراق العجم وما بعده فيما وراء النهر، لدينهم العلوم العقلية والنقلية، لتوفر عمرانهم وإستحكام الحضارة فيهم. ولقد وقفت بمصر على تآليف في المعقول متعددة لرجل من عظماء هراة، من بلاد خراسان، يشتهر بسعد الدين التفتازاني، منها في علم الكلام وأصول الفقه والبيان، تشهد بأن له ملكة راسخة في هذه العلوم. وفي أثنائها ما يدل له على أن له اطلاعاً على العلوم الحكمية وتضلعاً بها وقدماً عالية في سائر الفنون العقلية. والله يؤيد بنصره من يشاء.
هذا لا يعني أي تحقير أو عنصرية تجاه العرب، فالأمر له علاقة في ذلك الزمان بالبيئة الصحراوية وطبيعتها وقتها كما سبق ان شرحت، أي ان هذا لا ينطبق على من يعيشون الآن في الجزيرة العربية، فقد اصبحوا يعيشون في دول وليس قبائل، ومن الوارد أن يصنعوا حضارة أفضل من شعوب قديمة. فهذه الصفات القديمة من الوارد أن تتغير، فهي ليست أبدية. كما ان الأمر لا علاقة له بالإسلام على الإطلاق. فالله جل علاه لم يأمرنا بالغزو والسبي وإحتلال الشعوب ونهب ثروتها وإزلالها. لكن هؤلاء الغزاة لصقوا “الإسلام” بكل جرائمهم حتى يعطوها قدسية وحصانة تمنع الإقتراب منها ونقدها. جعلوها دين للأسف. فلا توجد حضارة في تاريخ الإنسانية يتم نسبتها الى الدين، ولكن الى الشعب الذي انتجها أو الى المكان. فلا توجد حضارة هندوسية، لكن توجد حضارة هندية تم انتاجها في الهند. لا توجد حضارة مسيحية، لكن توجد حضارة رومانية صنعها أهل روما (ايطاليا). لا توجد حضارة بوذية لكن توجد حضارة صينية. هؤلاء الغزاة العرب هم الوحيدون في التاريخ الذين ينسبون ما سرقوه من الشعوب الأخرى الى الإسلام، فيقولون “حضارة اسلامية”.
فالأديان لا تصنع حضارة، لكنها جزء منها، وهذا لا يقلل من اهميتها للإنسان ولا قيمتها العظمى، ولكن هذا ليس دورها الأساسي. والدليل أن صحراء الجزيرة العربية كان فيها مسيحيين ويهود ولم يصنعوا حضارة، وصنعها اليهود والمسيحيين في مصر والشام مثلاً. ومصر القديمة بدياناتها غير الإبراهيمية صنعت حضارة. ونراها في حضارة الأمازيغ في شمال افريقيا، الفارق هنا في المكان والميراث الحضاري للشعب الذي يعيش فيه. والدليل ايضاً ان الغزاة العرب لم يصنعوا أي حضارة في بلدانهم الأصلية، فلا يوجد مبني واحد أو ملمح حضاري واحد تركوه هناك. وهذا لا يعني أنهم أقل من باقي البشر، كل ما في الأمر أنه بسبب طبيعة القبائل غير المستقرة والمتحاربة في ذلك الزمان لم ينتجوا حضارة حتى بعد أن تحولوا إلي الإسلام.
لذلك من الخطورة ان نربط بين الإسلام وبين ما يسمونه “الحضارة العربية”، لأن هذا معناه الربط باحداث يصنعها بشر، وبالتالي فهو معرض للصعود والهبوط، ومعرض لأن يتم الربط بينه وبينه الجرائم التي ارتكبتها الإمبراطورية الإستعمارية، بما فيها العثمانية، وهذا ظلم كبير.
كما لا يجوذ الربط بين الإسلام وعرب الجزيرة، وإلا انتقل من خانة أنه دين “للعالمين” إلي دين قومي عنصري يفضل قوماً على قوم، وهذا بالقطع يهدم قيمة كلية عظمى في الإسلام وهي المساواة المطلقة بين كل البشر.
والآن اليك علماء اخرين ليسوا عرباً:
ابن سينا:
يعد من أشهر العلماء الذين اختلط نسبهم في التاريخ بين العرب والفرس، فكثير من العرب يعتبرونه عالماً عربياً، رغم أنه فيلسوف وطبيب فارسي عاش بين 980 ميلاديًا و1037 ميلاديًا، ألّف 200 كتاب في مواضيع مختلفة، العديد منها يركّز على الفلسفة والطب، وأشهر أعماله كتاب القانون في الطب الذي ظل لـ 7 قرون متوالية المرجع الرئيسي في علم الطب.
عباس بن فرناس:
عالم أمازيغي ولد عام 810 ميلاديًا في رندة بإسبانيا، أي اسباني وليس عربي،اشتهر بصناعة الآلات الهندسية مثل المنقالة (آلة لحساب الزمن ، موجود نموذجها بالمسجد الكبير بمدينة طنجة – المغرب) وأشتهر بصناعة الآلات العلمية الدقيقة، واخترع آلة صنعها بنفسه لأول مرة تشبه الإسطرلاب في رصدها للشمس والقمر والنجوم والكواكب وأفلاكها ومداراتها ترصد حركاتها ومطالعها ومنازلها والتي عرفت بذات الحلق. ويعد من اوائل من فكروا في الطيران.
ابن بطوطه:
أمير الرحالين المسلمين، هو محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي ينتسب إلى قبيلة لواتة الأمازيغية ولد بطنجة في المغرب سنة 1304 ميلادي، أي مغربي وليس عربي، وهو من أكثر الشخصيات التاريخية التي ارتبط اسمها بالترحال والسفر والمغامرات، عمل ابن بطوطة مؤرخًا وقاضيًا وفقيهًا.
ابن البيطار:
هو عبد الله بن أحمد المالقي نسبة إلى مسقط رأسه مدينة مالقة في الأندلس،أي اندلسي ، أي اسباني وليس عربي، ولد فيها عام 1197ميلاديًا، هو إمام النباتيين والعشابين، أوحد زمانه وعلامة وقته في معرفة النبات وتحقيقه واختياره ومواضع زراعته، ونعت أسمائه على اختلافها وتنوعها، فصُنف من أشهر الصيادلة العرب.
هذه بعض نماذج فقط. ويمكن ان نزيد عليها ان الخليفة هارون الرشيد رباه وعلمه البرامكة وهي اسرة فارسية، علمه يحي بن خالد البرمكي وكان عالماً. والذي ترجم الكتب اليونانية الي العربية معظمهم من السريان. منهم يوحنا ماسويه المسيحي السرياني . وحنين بن اسحاق وكان مترجماً وعالم كبير في الطب. وغيرهم وغيرهم.
كتب منسوبة للعرب:
هناك كتب شهيرة يتم نسبتها الي العربية بالخطأ، منها الف ليلة وليلة وأصله فارسي. و”كليلة ودمنة” في الأصل قصص هندية، تمت ترجمتها الي الفارسية والسريانية ومن بعدها العربية.
بعد كل ذلك وكما قلت الحضارات يتم نسبتها الى الأرض التي احتضنتها. عندما غزا فرع من قبيلة قريش شبه جزيرة ايبريا أو ما اسموه الأندلس، لم تكن صحراء جرداء بلا بشر، بل كان فيها بالطبع مواطنين مسيحيين ويهود وغيرهم. كان جيش الغزو مكون من عرب ( اعني بهم بالتحديد القادمين من الجزيرة العربية ) وامازيغ وغيرهم، وكان احتلال استيطاني. ويمكن القول ان الغزاة هم الذين امتزجوا بالسكان وليس العكس. مثلما يمكن ان نقول ان الغزاة العرب (الإحتلال الإستيطاني) لمصر امتزجوا بالمجتمع المصري، فالطبيعي ان الأقل حضارة هو الذي يذوب في الأكثر حضارة وإن احتفظ ببعض صفاته، لكنه امتزج بالتيار العام للبلد، مثل كل الأقليات التي عاشت واستوطنت مصر من يونانين ايطاليين وغيرهم وغيرهم.
لذلك لا يجب ان ننسب ابن بطوطه الي العرب، وهم الأقلية الغزاة، فهو امازيغي مغربي مسلم يتحدث العربية، وليس عربياً. وابن رشد الفيلسوف المسلم الذي عاش في الأندلس يجب ان يتم نسبته الى الأندلس – اسبانيا – اوروبا. أي انه مسلم اوروبي يتحدث العربية، لكنه لا ينتسب الى ما يسمونه “عرب الجزيرة”، وكل ما تم انتاجه من حضارة في الأندلس (لم يكن كلها مسلمين ) يجب ان يتم نسبتها الى اسبانيا – اوروبا. ولو كان صحيحاً ان يتم نسبته الي عرب الجزيرة فلماذا لم يصنعوا “اندلس” اخرى في بلادهم الأصلية في الصحراء ؟!. لماذا لم يظهر بن رشد أو غيره في جزيرة العرب؟
ما حدث هو اكبر عملية سرقة وتزوير في تاريخ المسلمين، بل وفي تاريخ البشرية، فهؤلاء القادمين من الجزيرة العربية والذين احتلوا وحكموا شعوبا متحضرة بالقوة، نسبوا الي انفسهم المنتجات الحضارية لهذه الشعوب، وحتي يعطوها قداسة وصفوها ايضاً بـ “الإسلامية”. العرب هم الوحيدون فيما أظن في التاريخ الذين يدعون انهم شيدوا حضارة خارج حدودوهم، بالإحتلال والنهب والسبي، في حين انهم لم يشيدوا مبني واحد أو ملمح واحد في بلدهم الأصلي، في صحراء الجزيرة.
الأصل هو أن يتم نسبة العلوم والفنون والعمارة وغيرها الي الشعب وليس إلى المحتل ولا إلي دين. فالشعب المصري وقت الإحتلال العربي كان فيه مسيحيين ويهود واصحاب ديانات مصرية قديمة. لذلك من الخطأ ان نعتبر ان القبطية هي المسيحية، لكنها هي هنا مرادف للمصرية، والقبط هم المصريين بكل دياناتهم وقتها، لكن مع تطور الزمن اصبحت لقباً للمسيحيين وحدهم وهذا خطأ شائع.
اذا كان هناك من يريد ان ينسب ما انتجه المصريون الي “المحتل العربي”، فعلينا بالمثل ان ننسب طه حسين والعقاد وسعد زغلول واحمد شوقي وسيد درويش وام كلثوم الى “الحضارة البريطانية المسيحية”، لأنهم قدموا هذه الإبداعات الحضارية عندما كان الإنجليز يحتلون مصر. وبالمثل علينا ان ننسب كل ما انتجه المصريين من علوم وفنون فترة تولي محمد علي حكم مصر الي “الحضارة اليونانية المسيحية” نسبة الي بلد محمد علي ، فقد ولد في مدينة قولة التابعة لمحافظة مقدونيا شمال اليونان لأسرة ألبانية. وننسب ما قدمه احمد زويل العالم الشهير من اكتشافات الى مصر، وليس الى امريكا، ذلك المجتمع الذي ابدع من خلاله، ولو كان في أي مجتمع اخر، مصر مثلاً، ما كان لينتج هذه العلوم.
هناك العديد من البلدان في امريكا اللاتينية تغيرت لغتها ودياناتها، الأرجنتين تتحدث الأسبانية وديانة معظم اهلها المسيحية، ومع ذلك لن تجد احدا يقول نحن ننتمي الى “الحضارة الأسبانية المسيحية”. ولن تجد في البرازيل من يقول نحن ابناء “الحضارة الأسبانية المسيحية” ولابد ان نستعيدها!. البرازيل تتحدث البرتغالية، ولن تجد فيها احدا يقول ننتمي الى “الحضارة البرتغالية المسيحية” أو الى “الحضارة الأوروبية المسيحية”. ولن تجد احداً يقول نريد إستعادة “الحضارة البرتغالية المسيحية” أو “الإمبراطورية البرتغالية الإستعمارية”. وبالمثل هناك العديد من دول افريقيا تتحدث الفرنسية مثل بوروندي والكاميرون، ومع ذلك لم تجد احدا يقول نحن ننتمي الى “الحضارة الفرنسية المسيحية”، ولن تجد في فرنسا من يتحدث عن “الحضارة الفرنسية المسيحية “وإستعادة “الإمبراطورية الفرنسية المسيحية”.
بالتأكيد الأمر غير منطقي، ويسبب مشكلة صعبة عند عموم المسلمين، بل ويمكن القول ان هذه الفكرة أو الكذبة دمرت حياة المسلمين، وهي دون شك أحد مصانع أنتاج الإرهاب.. لماذا؟
لأن الإمبراطورية الإستعمارية العربية رسخت في عقول الشعوب المحتلة من مسلمين، أنه لا حضارة ولا رفاهية ولا علوم ولا أي شيئ، إلا باستعادة هذه الإمبراطورية الإستعمارية حتي نستعيد “الحضارة العربية الإسلامية” التي يقولون انها عظيمة، أي انه لا سبيل الي ان نكون متحضرين ولدينا علوم وفنون وفلسفة وغيرها إلا بإحتلال الشعوب ونهب ثرواتها وسرقة منتجاتها الحضارية. ولا يمكن ان نكون جزءاً من التقدم الإنساني إلا بأن نكون عرب!
لقد حول هؤلاء الغزاة الذين اسسوا الإمبراطورية الأستعمارية طوال اكثر من 1400 عام، هذا الجانب الإستعماري الى دين، حولوا الكراهية والعنف والإحتلال الى دين يتعبده المسلمون، الغزاة والذين تم احتلالهم. وبالتأكيد الإخوان والإسلاميون يحلمون باستعادة دولة الإسلام ومن بعدها الخلافة بالقوة لو أستطاعوا. وقد حاولت داعش أن تسعيد هذا “المجد المزيف”، فبدأت بالشام والعراق ولو كانت تملك القوة لإجتاحت العالم كله، لكي تستعيد “الحضارة العربية الإسلامية”.
اذن فهذا رافد اساسي لصناعة الإرهاب، يكرس لأن الإسلام يجب ولابد ان يكون “دولة”و”امبراطورية” وأن سيدنا محمد (ص) كان ملكاً وحاكماً، وذلك حتى يستطيع الإسلاميون المسلحون وغير المسلحين حكم “البلاد الإسلامية”. ومثلهم وإن كان بدرجة اخف القوميون (ناصريون وبعثيون) الذين يؤمنون بأننا “امة عربية واحدة” تستند بالتأكيد الى اللغة وما يسمونه الثقافة العربية وبالطبع الدين الإسلامي، متجاهلين بالقطع ان هناك لغات وثقافات وأديان أخرى تم ويتم محوها بالقهر مثل الكردية والأمازيغية والنوبية والمسيحية والبهائية… الخ.
فشل المشروع الإمبراطوري الإستعماري المنسوب للإسلام، طوال اكثر من 1400 عام في تحقيق العدل والحرية للشعوب التي أحتلها، وهذا طبيعي، فالمستعمر لا يمكن ان يسمح بالعدل والحرية. بل وفشلت النماذج التي حاولت إستنساخه بدرجة أو اخرى في السودان عندما حكمها الإخواني عمر البشير، وطالبان في افغانستان، وداعش في سوريا والعراق، والإخواني رجب طيب اردوغان في تركيا، فلم يحققا العدل والحرية للشعوب، بل وثار ضدهم في السودان وفي مصر، وثار ضدهم الشعب في ايران عدة مرات. ويثور اغلب العراقيون الآن ضد النسخة الشعية من الدولة الإسلامية، وفي لبنان يثورون ضد الدولة الطائفية التي يسيطر عليها حزب الله الشيعي، ومع ذلك هناك من لا زال مصراً على استمرار الفشل وجر المسلمين شيعة وسنة وغيرهم الي هذا المنحدر من جديد.
الخطر الثاني هو ان أغلب المسلمين يعتبرون ان “الإسلام” وطن، وليس دين، وذلك استناداً الى ما رسخه الأستعمار العربي والتركي بأن الإسلام دولة وخلافة. ولذلك طبيعي ان يحتقر الإسلاميون الوطن، فهناك في مصر بعد ثورة يناير المجيدة من رفض القيام اثناء السلام الجمهوري. ولدينا مهدي عاكف المرشد السابق للإخوان الذي قال “طظ في مصر وابو مصر واللي في مصر”، واعتبر الإختلال التركي العثماني لمصر ليس احتلال ورحب بأن يحكم مصر مسلم من أي مكان في العالم “حتى لو كان من ماليزيا”. هذه الحيرة تدمر وجدان وعقل المسلم، وتحوله الى كاره الى وطنه، وعليه ان يختار بين دينه وبلده.
الخطر الثالث هو ان “كذبة الحضارة العربية الإسلامية” واستعادة هذا المجد المزيف يضعنا في حالة عداء دائم مع العالم كله، ويحرمنا من الإستفادة مما وصلت اليه الإنسانية من علوم وفنون وقيم رفيعة … الخ.. فمن المستحيل ان تستعيد هذه الإمبراطورية دون ان تحتل وتدمر باقي شعوب العالم. فدائما ستجد تصريحات كثيرة لرجال دين اسلامي يضعون الغرب في مواجهة الإسلام. وهذه مقاربة غير منطقية ومضللة، فالغرب هو حيز جغرافي تعيش فيه شعوب لها تاريخ وحضارة وفيهم مسلمين. في حين ان الإسلام دين، طريقة للتواصل مع الله عز وجل قد يعتنقه الغربي أو الشرقي أو الهندي او المصري .. الخ. يمكن ان نقول ان هناك صراع مثلاً بين الشرق الأوسط واوروبا .. فهذا منطقي، لأنهما حيزان جغرافيان يمكن ان تكون بينهما تناقضات. ثم ان الشرق الأوسط تعيش فيه اديان وعقائد لا أول لها ولا اخر، وكذلك اوروبا، ومن ثم فهذه الصراعات لا علاقة لها بالإسلام ولا بالمسيحية ولا بأي دين.
كذلك علاقتنا- كمصريين مثلاً – مع الدول الناطقة بالعربية في الشرق الأوسط تحكمها المصالح المشتركة، مثل الإتحاد الأوروبي الذي تأسس على مصالح مشتركة وليس على وهم قومي أو ديني. فهذه الأيديولوجيات دمرت الشرق الأوسط، وحولته الى خراب.
اظن أنه حان الوقت للتوقف ورفض ان يجرنا الإخوان والإسلاميين الي مواجهة مع الغرب ومع أي بلاد غير “اسلامية”، أي ليست اغلبيتها مسلمون. فهذا ميراث الصراع الإستعماري القديم، ليس لي انا كمسلم أي علاقة به. فهذه الإمبراطورية الإستعمارية لا علاقة لها بالإسلام من قريب أو بعيد.
كما ان هؤلاء الإسلاميين الذين يحلمون باستعادة هذا المجد القديم، لا يتحدثون ابداً عن الإسلام الذي انتشر في بعض مناطق آسيا بدون سلاح، لكن بالدعوة والموعظة الحسنة، وهذا ما افخر به كسلم. في حين انني اتبرأ تماماً من أي شخص استخدم الدين للإحتلال أو لأي ممارسة ضد الإنسانية.
وهل هذا التبرأ مهم؟
نعم، لأنه يجعلنا نتخلص والى الأبد من تكرار هذه الجرائم، ولو فعلنا ذلك ولو علمناه لأولادنا في المدارس والجامعات وانتشر في كتب وبرامج .. الخ، ما خرجت داعش والقاعدة والإخوان وغيرهم من الإسلاميين الذين ينشرون الرعب بين المسلمين وفي العالم كله، لأنهم يحاربون من اجل استعادة هذا المجد الزائف.
هذا الحلم الكاذب يعطل المجتمعات التي اغلبيتها مسلمين ان تنطلق وتصبح جزءاً من التقدم الإنساني.. لماذا ؟
لأن المسلم فيها يتربى على أن ينتظر استعادة هذا المجد الكاذب، واستعادته بالطبع لا تكون إلا بتعطيل العقل، والإنصياع وراء الإرهابيين المسلحين وغير المسلحين، والإيمان بايديولوجيتهم. ولأن هذا المجد “الزائف” لا يمكن ان يقوم إلا على الإحتلال، فهذا معناه اننا في حرب دائمة مع الآخر، ووقتما نستطيع فعلينا ان ننفذه على الأرض مثلما فعلت داعش وكما يريد الإخوان.
هذه الفكرة تجعل كل المصائب التي صنعناها بانفسنا، ننسبها دائما الى الآخر، والغربي بشكل خاص، فهو الذي يتأمر علينا وهو الذي يريد تدميرنا .. الخ. والسبب ان الإمبراطوريات الإستعمارية الغربية حاربت الإمبراطورية الإستعمارية العثمانية وقضت عليها. في حين انني كمسلم لست طرفاً في هذا الصراع، فكلاهما محتل غاصب. بل ويمكنني ان افكر قليلاً واسأل: هل كان العالم سيكون افضل لو انتصر المحتلين الأتراك وهتلر العنصري وايطاليا الفاشية؟!
هذا لا يعني انه لا يوجد صراعات، بالطبع يوجد صراعات مصالح. هناك فرق صراع المصالح وبين الكراهية المقدسة للآخر، فهي تعني ضرورة القضاء عليه أو السيطرة عليه، وبين ان يكون هناك صراع مصالح من الممكن ان نصل فيه الي توازن ما.
كما ان كذبة “الحضارة العربية الإسلامية” لا تعني العداء مع شعوب منطقة الشرق الأوسط، فهناك مصالح مشتركة، مثل علاقتنا بأي بلد أو شعب اخر. فالذي يجب يحركنا هو مصالحنا، وليست ايديولوجية استعمارية.
ثم كيف يمكننا محاربة الإرهابيين المسلحين وغير المسلحين، ونحن نردد افكارهم، كيف نقضي عليهم ونحن اغلبنا يحلم ب”دولة الإسلام” و”الحضارة العربية الإسلامية”؟ كيف يمكن القضاء على الإرهاب دون غلق مصانع انتاج الإرهابيين.

من المصادر:
كتاب “هوامش الفتح العربي .. حكايات الإحتلال” – تأليف سناء المصري – دار سينا للنشر
موقع “ن بوست”

للتواصل: saiedshoaaib@gmail.com

الجزء الأول من الدراسة هنا: http://www.good-news.ca/5456

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى