يحيي عواره يكتب: عندنا ثورة ! (6) Reviewed by Momizat on .     مشهد لأحزان "رولان الثوري" عند تتويج نابليون امبراطورًا ----------------------------------------------------------- سنوات ما قبل المشهد: ---------     مشهد لأحزان "رولان الثوري" عند تتويج نابليون امبراطورًا ----------------------------------------------------------- سنوات ما قبل المشهد: --------- Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » يحيي عواره يكتب: عندنا ثورة ! (6)

يحيي عواره يكتب: عندنا ثورة ! (6)

يحيي عواره يكتب: عندنا ثورة !  (6)

 

 

مشهد لأحزان “رولان الثوري” عند تتويج نابليون امبراطورًا
———————————————————–
سنوات ما قبل المشهد:
———————-
توالت مراحل الثورة الفرنسية منذ يونيو 1789 حين قرر النواب من غير النبلاء ورجال الأكليروس الانسحاب من مجلس طبقات الأمة، وتأسيس الجمعية الوطنية على الترتيب الذي يرونه أكثر عدلًا، ثم اقتحام الباستيل، واصدار أول بيان لحقوق الإنسان، وإلغاء الإمتيازات الإقطاعية، وإصدار أول دستور، وقد انتهت مرحلة الملكية الدستورية بإعلان أول نظام جمهوري في أغسطس 1792 واعدام الملك.
وقد جرت خلال السنوات الأولى للجمهورية أحداث عنف عارمة وعمت الفوضى حتى بدأ إنحسار مد الثورة في يوليو 1794 بعودة البورچوازيين المعتدلين للحكم، وإصدار دستور جديد، وبدأ بروز نابليون بونابرت على الساحة السياسية فقام بانقلاب عسكري في نوفمبر 1799 ثم عين قنصلًا عامًا مدى الحياة في عام 1802، فأقام نظامًا ديكتاتوريًا محكمًا، وفي يوم 18 مايو 1804 اقترع مجلس الشيوخ ووافق على تنصيبه إمبراطورًا مطلق السلطات.
المشهد:
——-
الزمان: مساء 20 مايو 1804 (بعد يومين من إقتراع مجلس الشيوخ).
المكان: مقهى Café Procope، بشارع Rue Mazarine من ناحية ميدان Odéon.

على مائدة في أحد أركان المقهي، يجلس الشاب رولان بيلير (Roland Belaire) غارقًا في اكتئابه، وتجلس معه مادلين (Madeleine Mannon)، وهي شابة رقيقة الملامح، تميل قليلًا الى السمنة، وتبدو أصغر من رولان بعدة سنوات.
كان رولان قد توقف عن دراسته للأداب منذ تم تدمير جامعة مونبلييه (Montplier) التي كان يدرس بها في سياق أحداث العنف التي اجتاحت باريس. ولم يستطع أن يجد فرصة للعمل بعد أن انخرط لسنوات في أنشطة الأندية الثورية ومليشيات الحرس الوطني، وأصبح الآن يعاني من الإحباط بسبب ما يراه انكسارًا للثورة ووقوعًا في براثن الديكتاتورية.
كانا، رولان و مادلين، ينتظران جوستاڤ (Gustave Rondeau) صديق رولان المقرب، وخطيب مادلين إبنة صاحب المخبز الذي يعمل به ككاتب للحسابات. وعندما وصل جوستاڤ، عاجلته خطيبته بمجرد أن جلس، وقبل أن يرشف رشفته الأولى من مشروبه بطلب العون فيما تسعى اليه.

مادلين: لقد أرهقني صديقك يا جوستاڤ… لم استطع أن أقنعه بأن تتويج نابليون امبراطورًا هو أمر مبشر بالخير… لأن ما حققه في فترة توليه مسؤولية القنصل الأول، من استقرار وبدء انتعاش الأعمال، بعد خمس عشرة سنة من الإضطرابات والركود هو ما تحتاجه فرنسا أكثر من أي شيئ آخر… تصور أنه يجادل في إن امبراطورنا الجديد يتمتع بقدر كافٍ من الحرص على كرامة الشعب والولاء للثورة؟
ظهر التأثر على وجه جوستاڤ، فأطرق قليلًا، ثم توجه بحديثه الي صديقه.

جوستاڤ: هون عليك رولان… ألا تدرك كيف أرهق الشعب من جراء تفشي البطالة والجريمة والقلق خلال سنوات طويلة من الفوضى والعنف حتى أصبح متعطشًا للاستقرار والأمان ! … ثم لا تنسَ -يا صديقي-أن مجلس الشيوخ هو الذي قرر تنصيب نابليون إمبراطورًا، فهي إذن ارادة شعبية واجبة الإحترام.
رفع رولان رأسه المنكس فرأي صديقه في عينيه لمعة الدموع المحتبسة، وجاء صوته متهدجًا، يشي بحزنه وتأثره الشديد.

رولان: اننا نبيع بهذه الصفقة، وللمرة الثانية في خمس سنوات، دماء آلاف الشهداء من رفاقنا، ونغض الطرف عن تضحيات الشعب طوال خمس عشرة سنة من الكفاح ضد الملكيين والإقطاعيين وحلفائهم الأجانب من أعداء فرنسا والثورة … كيف نقبل بعد كل هذه التضحيات بأن نسلم فرنسا لحاكم فرد مطلق السلطات !؟ … كيف هان علينا أن نتخلى عما تعلمناه من مفكرينا الذين شهدت هذه الحانة بعض جلساتهم، ومازالت هذه الجدران تردد صدى أصواتهم الداعية لمبادئ الحرية والمساواة وسيادة الشعب !؟

جوستاڤ: هون عليك، رولان، … أن التضحيات لن تذهب هباءً، والثورة لم تخمد… انها روح مقدسة تسري عبر الحدود والسنين متحصنة في قلوب المؤمنين بها.

أحداث في سنوات ما بعد المشهد:
———————————-
قام نابليون بتتويج نفسه امبراطورًا في إحتفال مهيب أقيم بكاتدرائية نوتردام في 2 ديسمبر 1804 بحضور البابا بيوس السابع، واستمر حكمه المطلق حتى سقط بعد هزيمته في معركة واترلو عام 1815.
وعادت فرنسا ملكية، حيث توج أخو لويس السادس عشر ملكاً، ومرت فرنسا بعد ذلك بكثير من الأحداث الجسام قبل انتصار الجمهورية النهائي عام 1871.
كانت الثورة قد حققت قبل ذلك، أهدافًا تاريخية هامة، مثل إلغاء الإقطاع وامتيازات الكنيسة، واقرار مبدأ الحكم وفقًا لدستور يضعه الشعب، وإعلان حقوق الإنسان وحتى تبني النظام المتري للموازين والمقاييس.
وها قد امتد أثر الثورة الفرنسية -منذ اندلاعها وحتى الآن- إلى دول أوروبا وأمتدت خبرتها وسرى إلهامها للشعوب عبر القارات وعلى مدى قرنين من الزمان، وبقدر يتجاوز كثيرًا أقصى طموح لأحلام الشاب الثوري رولان بيلير (Roland Belaire).

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى