رامي عزيز يكتب : الجهاد Reviewed by Momizat on . الجهاد في الإسلام: تعريفه مفهومه وخصائصه كعادته لا تمر فترة إلا ويسعي يوسف زيدان لإثارة الجدل من أجل ضمان الاستمرارية، ومؤخراً صرح زيدان حول موضوع الجهاد، بالقو الجهاد في الإسلام: تعريفه مفهومه وخصائصه كعادته لا تمر فترة إلا ويسعي يوسف زيدان لإثارة الجدل من أجل ضمان الاستمرارية، ومؤخراً صرح زيدان حول موضوع الجهاد، بالقو Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » رامي عزيز يكتب : الجهاد

رامي عزيز يكتب : الجهاد

رامي عزيز يكتب : الجهاد

الجهاد في الإسلام: تعريفه مفهومه وخصائصه
كعادته لا تمر فترة إلا ويسعي يوسف زيدان لإثارة الجدل من أجل ضمان الاستمرارية، ومؤخراً صرح زيدان حول موضوع الجهاد، بالقول بأن الجهاد في الأصل موجود وأتي من المسيحية قبل الإسلام، وهذا كلام في ظاهره يبدو صحيح ولكن مضمونه عبثي كل العبث. والتوقف عند هذه النقطة بدون إيضاحات، سيكون نوع من التضليل، لأن مفهوم الجهاد في المسيحية مختلف تماماً عن مفهومه في الإسلام. وبما أن الجهاد أحد الركائز الاساسية في الإسلام، الأمر الذي أدي إلى رفع بعض الأئمة والمفسرين له، لدرجة الركن السادس بجوار الأركان الخمسة الرئيسية (الشهادة، الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة) التي بني عليها الإسلام. فلذا سنستعرض في ذلك المقال ماهية الجهاد وتعريفه وخصائصه والدور الذي لعبه في الإسلام، ولماذا تتمسك جماعات الإسلام السياسي به، وتؤكد على شرعيته، ولماذا لا يقدر أحد أن يكذبهم/يجادلهم أحد فيما يخص الجهاد ودوره وقيمته.

التعريف والمفهوم
الجهاد ليس من الأركان الخمسة الرئيسية في الإسلام، ولكنه في نفس الوقت واحد من الفروض الرئيسية، وأحد أهم الأدوات التي لعبت دور كبير في انتشار الإسلام، ووصوله إلى بقاع الأرض البعيدة خارج البقعة التي نشأ فيها، في شبه الجزيرة العربية وحققت له السيطرة، وبجانب الدور التاريخي الهام الذي لعبه الجهاد في نشأة واستمرارية الإسلام إلى يومنا هذا، مازال الجهاد يمثل أهمية بالنسبة للإسلاميين كوسيلة حيوية وفاعلة تنقل مخططاتهم من طور التخطيط النظري إلى طور التنفيذ العملي.
حتى بدأت بعض تيارات وجماعات الإسلام السياسي، تعتمد على الجهاد بشكل كلى وأدى هذا إلى خلق نوع من التمايز في التسمية داخل تيارات الإسلامي، وأصبح هناك جماعات تقدم نفسها على أساس أنها جماعات جهادية. ولكن هذا لا يعنى أن جماعات الإسلام السياسي الأخرى غير جهادية أو لا تؤمن بالجهاد، بل على العكس الجهاد كفكرة هو مكون أساسي في كل تيارات وجماعات الإسلام السياسي ولكن الاختلاف يأتي من منهجية تلك الجماعات في تطبيقها للجهاد، والطريقة التي تستخدم بها الجهاد لتحقيق مخططاتها وأهدافها.
يعرف ويرتبط لفظ ومصطلح الجهاد في الإسلام بجهاد الكفار وقتالهم وكذلك المنافقين والمرتدين، ودائما ما يقترن الجهاد في الإسلام بلفظ ف (سبيل الله)، كما يتضمن الجهاد في الإسلام مفهوم العمل العسكري/الغزو من أجل تحقيق توسيع رقعة الأراضي الإسلامية، والحصول علي الغنائم.
Michael Bonner notes that “several other Arabic words are closely related to jihad in meaning and usage. These include ribat, which denotes pious activity, often related to warfare.…Ghazw, ghazwa, and ghaza have to do with raiding.”4 Then there is qital, which means “fighting” or “killing,” as well as harb, the word for “war”; “qital in the path of God”

وإذا كان ما سبق يقدم تعريفات وتوضيحات لمفهوم الجهاد، فماذا عن تعريف الشخص الذي يقوم بتنفيذ ذلك الفعل؛ في هذا يقول ديفيد باترسون

“A Jihadist, by sacred Islamic definition, must fight and kill in order to be righteous. Although the Quran has never been the only source of inspiration for jihad, it has always been the most important source”

ويكمل باترسون توضيحه لفكرة المجاهد في الإسلام مستعين بتوضيح مجيد خدوري الذي يقول

“The term jihadis derived from the verb jahada (abstract noun, juhd) which means ‘exerted’ ; its juridical-theological meaning is exertion of one’s power in Allah’s path, that is, the spread of the belief in Allah and in making His word supreme over this world. The individual’s recompense would be the achievement of salvation, since jihad is Allah’s direct way to paradise. This definition is based on a Quranic injunction which runs as follows: ‘…Believe in Allah and His Apostle and carry on warfare (jihad) in the path of Allah with your possessions and your persons”.

وقد أشار باترسون لفكرة ارتباط الجهاد بنصوص القران، كما أشار إلى أن نصوص القران ليس المصدر الوحيد للجهاد.

وفي نفس السياق يقول ريتشارد ميتشيل موضحاً لمفهوم الجهاد ومصادره الشرعية “ولعل أوضح مثال على الطبيعة العسكرية للحركة يكمن في استخدام مفهوم الجهاد فبينما يؤكد بعض أعضاء الجماعة أن الجهاد أنما يختلف عن الاجتهاد، فان الاستخدامات المتكررة لهذا اللفظ في كتابات الجماعة تدل على أن معناه الحقيقي هو القتال الذي قد يؤدى إذا اقتضت الضرورة الموت والشهادة، والجهاد واجب على كل مسلم مثله في ذلك مثل أركان الدين الأخرى. وقد ذكر حس البنا ان هذه الفكرة تعتمد على نصوص من القران والسنة ومذاهب الفقه الأربعة، وأولئك اللذين يقللون من قيمة القتال والأعداد له يكون إيمانهم ناقص، فالله لا يمنح الحياة الكريمة إلا للذين يعرفون كيف يموتون ميتة كريمة”. فحديث البنا هنا يقطع الشك باليقين فيما يخص أهمية الجهاد بالنسبة للمسلمين بمختلف توجهاتهم وبغض النظر عن اي مدرسة فقهية يتبعون.
وفى نفس السياق يؤكد باترسون ان الفقهاء المختلفين سواء الأربعة الرئيسين، او غيرهم من المؤثرين الذين تركوا أثر كبير في تشكيل الفقه الإسلامي، جمعيهم اتفقوا على أن تعريف الجهاد هو (الحرب المقدسة) بالرغم من خلافاتهم حول قضايا أخرى.
وكان لأبن تيمية الذي ينتمي للمدرسة الفقهية الحنبلية دور كبير في بلورة مفهوم وعقيدة الجهاد، ولعبت تفسيرات وفتاوى أبن تيمية حول مفهوم الجهاد ودوره وماهيته دور كبير في مسيرة حركات وجماعات الإسلام السياسي الحركي، منذ نشأتها في القرن العشرين، وأدت إلى ولادة تيارات الإسلام السياسي الراديكالي الأكثر تشدداً في منهجية تعاملها مع المجتمعات والتي اتخذت من الجهاد والقتال طريقة لها ، فتفسيرات أبن تيمية وفتاويه حول الجهاد شكلت القاعدة الفكرية لكل تلك الحركات واتخذ منها هؤلاء مرجعية لتأطير الإيدلوجية التكفيرية الخاصة بهم في محاربتهم للأخر. ففي كتابه السياسية الشرعية في إصلاح الراعي والرعية أعتبر أبن تيمية الجهاد من أهم الفروض وأن فضائله المذكورة في القران والسنة أكثر من أن تحصى، وهو أفضل من الحج والعمرة والصلاة والصوم، وقد أوجب أبن تيمية قتل كل من يقف في مواجهة دعوة الإسلام/الجهاد.

خصائص الجهاد
يؤمن الإسلاميين بأن الإسلام يختلف عن غيره من الأديان فهو دين عالمي وشامل ويدعو إلى إزالة الجاهلية وفرض حاكمية الله، ولكي يتمكن الإسلام من ذلك لا بد له من القوة المتمثلة في الجهاد، فالجهاد في سبيل الله هو الطريق الوحيد لإعلاء راية وشأن الإسلام وفرض حاكمية الله على الأرض كلها وتحقيق الشمولية والعالمية، ولا يوجد اختلاف حول هذا الأمر بين الطوائف والمذاهب الإسلامية المختلفة (السنية – الشيعية)، فجميعهم يروا في الجهاد الطريق الوحيد الذي سيستعيد به الإسلام أمجاده، وتتحقق إرادة الله للعالم، ومن أجل هذا راح المنظرين الرئيسين لتيارات الإسلام السياسي يسبرون أغوار القرآن والحديث والفقه الإسلامي بمختلف فروعه ليبرهنوا على الحاجة الملحة لضرورة عودة وإحياء الجهاد مرة أخرى بين صفوف المسلمين في مختلف بقاع الأرض من أجل إعلاء كلمة الإسلام على كل الأرض، وأبرز الحجج التي يسوق بها هؤلاء الحاجة إلى الجهاد يمكن استعراضها على النحو التالي:
أولاً: في سبيل الله
تعد فكرة أن الجهاد هو أمر في سبيل الله وواجب على كل مسلم واحدة من أهم الركائز التي يستخدمها ويستند إليها منظري تيارات الإسلام السياسي على مختلف توجهاتها وأشكالها لجذب المسلمين وترغيبهم في العودة مرة أخرى لحمل راية الجهاد الإسلامي، فالمودودي يقول في هذه النقطة “الجهاد الإسلامي ليس بجهاد لا غاية له؛ بل هو الجهاد في سبيل الله” ، فالمسلم يجب أن يخرج للجهاد ويقاتل الكفار والمشركين مرضاة لله سبحانه وتعالى، ويستشهد البنا في رسالته التي كتبها عن الجهاد بحديث عن النبي محمد يقول فيه (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، ويستخدم هؤلاء الآيات القرآنية والأحاديث دائما لتدعيم وجهة نظرهم وأرائهم فنرى البنا يستخدم في رسالة الجهاد التي سبق الاشارة اليها عدد كبير من تلك الآيات والأحاديث منها على سبيل المثال “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” [ال عمران: ١٦٩-١٧٠]، “فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا” [النساء : ٧٥] ويسرد البنا في رسالته فائدة الآيات القرآنية وكيف أن الله انزلها ليستخدمها في اثارة همم المسلمين وتحريضهم على القتال “الجهاد” ومواجهة الموت بصدر رحب بدون خوف حتى لأنه لو قتلوا في المعارك والغزوات فهم ماتوا وهم مجاهدين وهناك تعويضا كبيراً ينتظرهم في الأخرة.
وفى المقابل فالقرآن والحديث بهم آيات لتوبيخ المتخاذلين والمتقاعسين عن أداء واجب الجهاد. ويشير البنا إلى سورة الأنفال ويقول انها من أهم سور القران في التحريض على القتال/الجهاد في سبيل الله والثبات فيه، حتى انه يذكر بأن المسلمين الأوائل كانوا يتخذواً منها “نشيد حربياً يتلونه إذا أشتد الكرب وحمى الوطيس” ويستشهد البنا بآيتين من آيات تلك السورة البالغ عددهم سبعين اية وهما “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ” [الأنفال: ٥٩]؛ “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ” [الأنفال:٦٥]
حتى أن محمد عبد السلام فرج (١٩٤٢- ١٩٨٢) صاحب نظرية الفريضة الغائبة يقول عن الجهاد في سبيل الله “السبيل الوحيد لعودة ورفع صرح الإسلام من جديد” ورغم المدة الزمنية التي تفصل بين حسن البنا الذي اُغتيل في ١٩٤٩ وبين فرج الذي أُعدم في عام ١٩٨٢ إلا أن قضية الجهاد في سبيل الله مازالت أحد القضايا الرئيسية بالنسبة لتيارات الإسلام السياسي والتيارات الجهادية التي تأسست على مبادئها وأفكارها في وقت لاحق، بداً بجماعة الإخوان ووصولاً لداعش.

ثانياً: منهج انقلابي لمحو الطاغوت
إن الجهاد كأحد الأمور الهامة جداً في الإسلام والذى رفعه بعض المفسرين والمنظرين إلى مرتبة متقدمة، مثلما فعل أبن تيمية الذى رأى فيه أمر أهم من الصلاة والصيام والحج والعمرة، حتى أن المودودي وصفه بانه الركن السادس من أركان الإسلام، يعتبر الأداة الوحيدة التي يمكن من خلالها تحقيق منهج الإسلام الانقلابى الذى ينوى ويهدف إلى هدم نظام العالم “الجاهلي” كله وإعادة بنائه على أسس إسلامية وفقاً لحاكمية الله المتمثلة في شريعته، ويستدل على هذا من كلام المودودي “أن الإسلام ليس بنحلة كالنحل الرائج، وأن المسلمين ليس بأمة كأمم العالم، بل أن الأمر أن الإسلام فكرة انقلابية ومنهاج انقلابي يريد أن يهدم نظام العالم الاجتماعي بأسره، ويأتي بنيانه من القواعد ويؤسس بنانيه من جديد حسب منهاجه (الإسلام)”. ولكن الطريق إلى تحقيق ذلك الهدف يصطدم ويمر عبر الحكام اللذين لا يحكمون طبقا للشريعة الإسلامية (مسلمين أو غير مسلمين) أو الطواغيت كما يلقبهم الإسلاميين، ولذلك يجب الجهاد ضد هؤلاء الطواغيت وأزالتهم كلهم في كل الأرض، من اجل إعادة البشرية لعبادة الله وحده المتمثلة في حاكميته بإخراجهم من الجاهلية، وبما ان الطواغيت وانظمتهم لديهم من القوة والأدوات التي يحموا بها استمرارية وجود أنظمتهم ويملكوا قدرة الدفاع عنها، لذا يجب على المسلمين مواجهة تلك الأنظمة بالقوة والجهاد لإزالة تلك الأنظمة الجاهلية والطواغيت القائمين على أمرها.
وحول ما إذا كان هناك طريق أخر غير الجهاد تفلح في تحقيق التغيير المنشود بإزالة الطواغيت وإخراج البشرية من الجاهلية وفرض حاكمية الله يقول قطب “وقيام مملكة الله في الأرض وإزالة مملكة الشر، وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده.. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية .. كل ذلك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان، لأن المتسلطين على رقاب العباد، و المغتصبين لسلطان الله في الأرض لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان” ، ففي مقدمة كتيب ” الجهاد الفريضة الغائبة” يستخدم محمد عبد السلام فرج مصطلح الطواغيت ويربط بين حتمية الجهاد وبين إزالة هؤلاء الطواغيت ويوضح بما لا يدع مجال للفهم الخاطئ طريقة الجهاد التي يجب على المسلمين اتباعها من اجل تنفيذ هذا، ففرج لا يرى معنى للجهاد غير استخدام السيف فنراه يقول “والذى لا شك فيه ان طواغيت هذه الأرض لن تزول إلا بقوة السيف، الطاغوت هو اللفظ الذي استخدمه فرج ورفاقه في “تنظيم الجهاد” لوصف الرئيس المصري في ذلك الحين أنور السادات، مما أدى إلى مقتله في أكتوبر عام ١٩٨١ على يد تلك المجموعة لأنه الطاغوت الذى يقف عقب في تطبيق الحكم الإسلامي الصحيح اى انه يقف عقبة في سبيل حاكمية الله والقضاء على الجاهلية، وفى ذلك يرى رفعت سيد احمد ان مصطلح الطاغوت الذى أبرزه سيد قطب في “معالم في الطريق” تأثر به خالد الإسلامبولى و فرج وتسبب في مقتل السادات، أي أن تأثير أفكار سيد قطب أمتد من فترة وحقبة الستينات وظل يعمل في المجتمع حتى حصد ثماره في الثمانيات بمقتل السادات الذى كان يمثل لتلك الجماعات الطاغوت. وتعد الآية القرآنية “اللذين أمنوا يقاتلون في سبيل الله واللذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت” [النساء:٧٦] واحدة من الآيات الأساسية المستخدمة من قبل الإسلاميين للحث على قتال الطواغيت لأنه جهاد في سبيل الله.

ثالثاً: لاهوت للتحرير
يصور سيد قطب الإسلام كحركة تحرير، ويمكن وصف مصطلح “لاهوت التحرير” لوصف هذا النظرة التي يحاول تسويقها قطب، فقطب يرى دور الإسلام “كإعلان عام في الأرض لتحرير البشرية من كل سلطان غير سلطان الله، بإعلان الوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، ولم يكن إعلان نظرياً فلسفياً سلبياً .. انما كان اعلاناً حركياً واقعياً إيجابياً، إعلان يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشرعية الله” ومن منطلق عالمية الإسلام يحدد قطب مجال مسئولية الإسلام كحركة تحرير تشمل الإنسان كله ومجالها كل الأرض، ويدلل على طرحه هذا بالقول “أن الله رب العالمين كلهم وليس رب المسلمين فقط، فلذا وجب على المسلمين ان يردوا العالمين إلى ربهم، وهنا يتم التعرض لمفهوم الكفار والمشركين (يحمل الأثنين نفس المعنى في النهاية) فالكفار هم من كفروا بالله والمشركين هم من يشركون به اى يعبدوا معه الهة أخرى، وبالرغم من ان الإسلام اطلق على اليهود و المسيحين مصطلح أهل الكتاب اى من اصحاب الرسالات السماوية في بعض المواضع، إلا انه عاد ووصفهم بالمشركين في مواضع أخرى، وبناء على هذا صنفهم قطب كغيره من الفقهاء والمفسرين ضمن فئة الكفار والمشركين، وحجته في ذلك ان اصل العبودية لله تعنى اتباع احكامه، ولكن اليهود والمسيحين طبقاً للنبي محمد قد اتبعوا شريعة واحكام أخرى غير التي أوصى به الله وبذلك اصبحوا “مشركين” مخالفين لما أُمرو به من عبادة الله وحده، وبما أن الإسلام رسالة لتحرير البشرية من الجاهلية وحاكمية غير الله ك لاهوت للتحرير فهو في حاجة إلى المنهج الحركي المتمثل في الجهاد والسيف والحرب ضد الأنظمة والحكام اللذين يقفوا عائق بينه وبين تحقيق رسالته، وبذلك يتحول لاهوت التحرير إلى “لاهوت للحرب” على حد وصف فرانسوا بورغا ، وبذلك سيتعرض الجميع للدعوة إلى الدين الإسلامي أو مواجهة العقاب بما فيهم أهل الكتاب لأنه تم إدراجهم وتصنيفهم ضمن نطاق الكفار والمشركين فلذا وجبت عليهم العقوبات وهذا يتضح بشدة من النص القرآني ” قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ؛ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ” [التوبة:٢٩-٣٠].
ويكون ذلك ضد فكرة ومبدأ التحرير وحرية العقيدة التي يحاول قطب التسويق لها، هو والإسلاميين والجهاديين من التيارات المختلفة، وبذلك يكون ادعاء أن الجهاد هو أداة التحرير هو أحد المبررات لتبرير الغزو والاعتداء على الآخر تحت راية الجهاد في سبيل الله.

رابعاً: ذو طبيعة هجومية مستمرة
يقسم الجهاد إلى فرض كفاية وفرض عين، وإلى جهاد دفاعي وجهاد هجومي، في رسالة الجهاد التي كتبها البنا يقول إن الجهاد في رأى كثير من العلماء هو فرض كفاية على الأمة الإسلامية لنشر الدعوة، وفرض عين لدفع هجوم الكفار عنها، ويستكمل البنا حديثه في رسالة الجهاد “والمسلمون الآن كما تعلمون مستذلون لغيرهم محكومون بالكفار قد ديست أرضهم وانتهكت حرماتهم ، وتحكم في شؤونهم خصومهم، وتعطلت شعائر دينهم في ديارهم ، فضلاً عن عجزهم عن نشر دعوتهم فوجب وجوباً عيناً لا مناص منه أن يتجهز كل مسلم وأن ينطوي علي نية الجهاد وإعداد العدة له، حتى تحين الفرصة ويقضي أمراً كان مفعولاً” فالبنا هنا يحرض المسلمين على أن يكون الجهاد فرض عين وسلوك مستمر لا ينقطع لديهم، لأن أرضهم محتلة وشعائرهم الدينية معطلة، والقصد هنا في كلام البنا لا يقصد الإنجليز فقط بل ان الحكومة المصرية بالنسبة له حكومة أيضاً كافرة لأنها لا تطبق شرع الله ولا تحتكم اليه، فالقصد هنا في كلام البنا هو ضرورة الجهاد ضد الأنظمة الموجودة سواء كانت اجنبية او مسلمة حتى يتم التمكين من تطبيق الشريعة وإقامة دولة الإسلام المنشودة.
بينما يرى المودودى انه لا يمكن تطبيق الفكر الذى ينطبق على الحروب بوصفها دفاعية وهجومية على الجهاد في الإسلام، وذلك لإن الإسلام والجهاد الإسلامي ذو طبيعة خاصة، لان مصطلح الحروب الدفاعية والهجومية قد يصلح بالنسبة لدول وحدود إقليمية معينة اما بالنسبة للإسلام فالوضع مختلف تماما، لأن الإسلام هو فكرة انقلابية مداها وحدودها الأرض كلها، ولكن المودودي يرجع ويقر انه لو تم قياس الجهاد في الإسلام على هذه المبادئ الدفاعية والهجومية، فسنجد ان الإسلام يحمل الصفتين في نفس الوقت فهو هجومي ودفاعي، هجومي لأنه يقوم بالهجوم على الأنظمة والممالك التي لا تطبق حاكمية الله، ويبنى أنظمة وممالك أخرى على الأسس الإسلامية الصحيحة.
ويتفق سيد قطب مع ملهمه أبو الأعلى المودودي بأن هناك من يحاولوا ان يلصقوا بالجهاد في الإسلام صفة أنه جهاد دفاعي، ويصفوا الحرب في الإسلام بانها حرب دفاعية، ولكن قطب يرى أنه في الحقيقة الجهاد في الإسلام ليس له علاقة بمثل تلك المسميات فالجهاد في الإسلام حرب مستمرة الهجوم فيها على الأعداء هو الأساس، ويلقب قطب أولئك المسلمين الذين يحاولوا ان يلصقوا صفة الحرب الدفاعية بالجهاد الإسلامي المهزومين عقلياً ونفسياً لانهم يحالوا إنكار أمر جوهري وحقاً أصيل من حقوق الإسلام وهو البدء في الهجوم على الكفار والمشركين (الأخر) الذى هو طبقاً لوجهة نظر الدين الإسلامي أمر في سبيل الله وأنهم لا يدركوا الطبيعة الحركية للدين الإسلامي التي بنيت على الجهاد بالسيف، ويتهم قطب هؤلاء بأنهم خاضعين لتأثير حركة الاستشراق التي وصفها بالخبيثة، ويتابع قطب بأن الجهاد في الإسلام ليس في حاجة لإن يصوغ له أحد مبررات لأن مبررات الإسلام تنبع من داخله وتحملها النصوص القرآنية ويستشهد قطب بالآيات القرآنية التي سبق وأن استعراضنا بعضها في الفقرات السابقة التي تحمل تحريض وأمر واضح وصريح على الجهاد.
ويتفق صاحب الفريضة الغائبة محمد عبد السلام فرج مع ملهمه سيد قطب في أن القول بأن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط وأن الإسلام لم ينتشر بالسيف هو قول باطل يردده عدد كبير من العاملين في الدعوة الإسلامية، ويحسم فرج هذا الأمر بالرجوع إلى احاديث النبي محمد فيما يخص فكر ة الجهاد بالسيف وفكرة القتال التي تقول (بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغر على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم) (أخرجه الأمام أحمد عن بن عمر)، وفى نفس السياق يستعرض حديث عن النبي محمد وهو يتحدث لطواغيت “كفار” قريش ويقول لهم (استمعوا يا معشر قريش، اما والذى نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح)، وفى تفسير لتلك الأحاديث يقول أبن رجب هذا معناه أن الله بعث النبي ليدعو الناس إلى توحيده بالقران وأن لم يقبلوا فعليه جهادهم بالسيف، ويقر فرج بأن الجهاد في الإسلام هجومي ومستمر حتى تقوم دولة الإسلام.

د. رامي عزيز، باحث في قضايا الشرق الأوسط، العلاقات الدولية والإسلام السياسي.

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى