سعيد شعيب يكتب: خالد صلاح صحفي عظيم ظلمته السياسة Reviewed by Momizat on . مازلت أتذكر عندما أيقظني خالد صلاح من النوم مبكراً، ربما في السادسة صباحاً قائلاً بصوته الودود الحازم: سعيد انت لسه نايم؟! "كنت بشتغل على حاجه مهمه.. عايزين نتن مازلت أتذكر عندما أيقظني خالد صلاح من النوم مبكراً، ربما في السادسة صباحاً قائلاً بصوته الودود الحازم: سعيد انت لسه نايم؟! "كنت بشتغل على حاجه مهمه.. عايزين نتن Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » سعيد شعيب يكتب: خالد صلاح صحفي عظيم ظلمته السياسة

سعيد شعيب يكتب: خالد صلاح صحفي عظيم ظلمته السياسة

سعيد شعيب يكتب: خالد صلاح صحفي عظيم ظلمته السياسة

مازلت أتذكر عندما أيقظني خالد صلاح من النوم مبكراً، ربما في السادسة صباحاً قائلاً بصوته الودود الحازم: سعيد انت لسه نايم؟! “كنت بشتغل على حاجه مهمه.. عايزين نتناقش فيها، أنا منتظرك فيالمكتب

كانت اليوم السابع في بدايتها (تأسست عام 2008)، لم ينم خالد طوال الليل، كان يذاكر عدد من المواقع الإلكترونية العالمية، يبحث عن مميزاتها حتى نستفيد منها، لا نقلدها، بل نطورها، ويدقق في عيوبها حتى نتجنبها. لم يكن هذا هو الإستدعاء الوحيد ، لكنه هكذا طوال الوقت، دؤوب، ولا يتوقف عن العمل وعن البحث عن الجديد، ليضيف إلى نفسه معرفة، ويصون قدرته على الابتكار، وعلى التقاط وتطوير الأفكار أينما كانت.  

 هذا الشغف لم يتوقف لحظة واحدة عند خالد، وهذا سبب رئيسي في أنه صحفي عظيم. في زيارتي الأخيرة لمصر، حدثني كثيراً بنفس الشغف عن احلامه لاليوم السابع، والانتقال نقلة كبيرة في صناعة محتوى الديجيتال، والتواجد المؤثر على منصات التواصل الإجتماعيلم يتغير شغف  خالد بهذه المهنة العظيمة منذ عرفته في اوائل تسعينات القرن الماضي في جريدة مصر الفتاة.

 سافرنا على سبيل المثال إلى الدانمارك حتى نرى ونناقش الأحدث في هيئة الإذاعة الوطنية الدنماركية، وفي عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية هناك. كانت الزيارة 72 ساعة فقط لا غير! كان خالد يعمل بكل طاقته كتلميذ في المدرسة، يمتص هذه المعارف الجديدة، ويناقشها ويفندها، لكي يصل إلى شئ مختلف ومميز.

ما زلت اتذكر عندما صدر كتاب كنوز صحفيةللصديق علاء عبد الهادي، الذي يوثق فيه بعض اجتماعات مجلس التحرير التي يقودها الأستاذ مصطفى امين، اشترى خالد نسخ كثيرة ووزعها على كل الزملاء، وكان يطلب مراراً وتكراراً ان يذاكرها الزملاء لنسفيد منها.

 من المهم هنا أن أنبه القارئ الكريم، أنني لا أتحدث عن خالد كصديق وأخ فهذا أمر شخصي. ولا أتحدث عنه  ككاتب رأي، ولا عن مواقفه السياسية، فهذا يمكن أن تتفق معه أو تختلف، وشخصياً اتفقت واختلفت معه كثيراً، ولا أتحدث ايضاً عن موائماته السياسية التي حافظت على هذه المؤسسة الرائدة من عواصف عاتية، فهذا يمكن ان نختلف أو نتفق عليه.

لكني أتكلم عن الجانب الآخر الذي لا يعرفه القارئ والذي للأسف ليست هناك جهود لحفظه للأجيال القادمة. فالراسخ في العقل العام أن وظيفة الصحفي أو الإعلامي هي ان يقول رأيه للناس. لكن هذا غير صحيح، بل وخرافة كبرى، فهذا جانب بسيط جداً من عملنا. فعلمنا الأساسي هو صناعة الأخبار و الحوارات و التحقيقات، وكل أشكال العمل الصحفي. بجملة أخرى  تمكين المجتمع من المعرفة، أن يعرف الناس ما يحدث،سواءً كانت أحداث على الأرض، أو يعرف ردود الأفعال على أي شيئ، ويعرف مختلف الآراء والأفكار، وهذه المعرفة تمكن المجتمع من أن يدير نقاشاً حراً، ومن ثم يستطيع بقدر الإمكان أتخاذ القرار الأقرب إلى الصواببدون هذه المعرفة من المستحيل أن يتقدم ويتطور المجتمع

 ربما من المهم هنا أن أذكر بكل الإجلال آباء وصُناع كبار للصحافة وهما الأخوين مصطفى وعلى أمين، فيمكنني القول إنهما اسسا صناعة الأخبار في مصر وفي البلاد الناطقة بالعربية. كان المنتشر قبلهما فيالصحف خلط الرأي بالخبر. وهذا خطر جداً، فكأنك تخلط الزيت بالماء، فلا تستطيع أن تستفيد من الماء وحدها ولا من الزيت وحده، وفي النهاية تلقي ذلك إلى سلة المهملاتوبالتالي لا تمكن القارئ من معرفة ماحدث فعلاً، ثم  يختار الرأي الذي يعجبه أو يصل إلى وجهة نظر جديدة. هذا الدور العظيم للأسف غير معروف بشكل كافي، بل وحصل من هو أقل من الأخوين بكثير على أضعاف وأضعاف ما حصلوا عليه من تقدير. مثل الأستاذ محمد حسنين هيكل، مع كامل الإحترام له ولمحبيه، حصل على الكثير والكثير بسبب السياسة، وليس المهنة،  فرفعته إلي السماء دون وجه حق، ولم تمنح العبقريان مصطفى وعلى أمين مايستحقان

 خالد ايضاً ظلمته السياسة، وفي جيلنا كثيرين مثله، إبراهيم عيسى ومجدي الجلاد وألبرت شفيق وابراهيم حمودة ومحمد هاني ودكتور أحمد محمود وغيرهم وغيرهم، فلم يتم إلقاء الضوء الكافي على عبقريتهم في تطوير الصناعة.

 خالد أستطاع أن ينقل صناعة الأخبار بإقتدار إلي وسيط جديد هوالوسيط الإلكتروني، وهذا يعني قدرته على تقديم المنتجات الصحفية الإلكترونية، بطرق غير مسبوقة. وأهمية ذلك هي أن تتيح للمجتمع فرصة أن يعرف فوراً ما يحدث على الأرض، أي حق المجتمع في المعرفة، أي ستجد الخبر عندنا بعدها بدقائق وربما لحظاتكان تقريباً الوحيد في اليوم السابع الذي يؤمن بأن القادم للإلكتروني وليس الورقي.   

  أتخذ خالد وقتها، على ما أظن في عام 2009، أهم قرار كان السبب الرئيسي في نجاح الموقع الإلكتروني الإخباري اليوم السابع، وفي تحقيق مزيد من التقدم للجريدة الورقية الواعدةكان القرار بعمل صالة تحرير واحدة للموقع الإلكتروني وللجريدة الورقية. كان معنى هذا أنه لا فصل بين من يعملون في الموقع ومن يعملون في الجريدة الورقية. نفسالصحفي ورئيس القسم يقدمان منتجاتاتهم الصحفية لكلا الوسيطين الإلكتروني والورقي. الفصل فقط في مدراء التحرير، كنت مدير تحريرالموقع الإلكتروني والمسئول عن صالة التحرير، وكان الصديقان الكبيران أكرم القصاص وسعيد الشحات مدراء تحرير الجريدة الورقية

 لم يكن القرار سهلاً، فقد أدرك خالد بعد أكثر من عام أن وجود زملاء للموقع وآخرين للجريدة، لا يمكن أن يحقق النجاح الذي يحلم به، بل ويجعل الفريقين، فريق الموقع الإلكتروني الإخباري وفريق الجريدة الورقية متنافسين. لم يقع خالد في فخ عبادةقرار تأكد انه خطأ. واتخذ قراراً جديداً شجاعاً  بفكرة صالة تحرير واحدة، وهذا القرار هوالذي مكن المؤسسة من تحقيق هذا النجاح الاستثنائي، ومكن موقعهاالإلكتروني أن ينتقل خلال فترة ليست كبيرة لكي يكون الأول

 الحقيقة انه لم يكن القرار الوحيد المميز لخالد، فقد واجهتنا عقبات لا أول لها ولا اخر. فجميع الزملاء، بما فيهم أنا وخالد، قادمين من صحف ورقية. لم تكن لأي مؤسسة صحفية موقع الكتروني وقتهاكانت هناك بالطبع مواقع الكترونية عظيمة سبقتنا، تعلمنا منها الكثير، ولكن الفارقالذي وضعه خالد بعبقرية هو أننا سنكون موقع الكتروني اخباري يعمل لحظة بلحظة. أي أن ما يحدث على الأرض، ستجده خلال دقائق وربما لحظات على موقع اليوم السابع الإلكتروني. هذه الخدمة الفريدة كانالمجتمع يحتاجها، ونحن قدمناها

منذ بداية اليوم السابع منع خالد استلام أي شغل مكتوب على الورق، ولكن عبر الكمبيوتر، ووجد هذا القرار وقتها مقاومة عنيفة خاصة منالكبار. كان هذا القرار وقتها غريباً ويبدو قاسياً، لكنه في الحقيقة وضع كل الزملاء على الطريق الصحيح، وأصبح الآن من البديهيات، ولم يعد مقبولاً أن تسلم كصحفي شغلك على الورق.

وواجهتني كمسئول عن صالة التحرير، كيف يمكن أن يبدأ الزملاء عملهم من التاسعة صباحاً، وليس الواحدة ظهراً، وكيف يقدمون منتجات صحفية على مدار ال 24 ساعة. كان السائد في أوساط العاملين بهذه الصناعة (احنا مبدعين ومش موظفين)، وهذا فيه قدر من الصحة، لكن حتى المبدع لابد ان يقدم أنتجاً متميزاً في مواعيد محددة. ففي النهاية علينا أن نقدم أخبار للناس، للزبون الذي يتعامل مع الوسيط الإلكتروني علي مدار ال 24 ساعة، فالموقع لا يغلق أبوابه. كما واجهت كل الزملاء مشكلة أن أغلب المصادر ترفض أن تعطي اخبار أو تصريحات للموقع الإلكتروني، وتطلب النشر فقط في الجريدة.  

من المهم هنا الإشارة ألى أن هذه الطريقة في العمل كانت جديدة، لم تكن منتشرة كما يحدث الأن. ولذلك كانت المشاكل تحتاج إلي قدرة على الإبتكار. وعلمتنا التجربة أن المدير وظيفته هو أن يحل المشاكل، أي يبتكر حلولاً جديدة تصنع التقدم.  قرر خالد وقتها تأسيس قسم كاناسمه ان تيك” (In Take ) لكي يتلقى الأخبار من الزملاء في مواقع الأحداث، وهذا أوجد صعوبات في النشر السريع في مختلف الأقسام، فكان الحل هو أن يكون لكل قسم زملاء يتلقون الأخبار العاجلة وينشرونها فوراً.

من الصعوبات التي واجهتنا ايضاً أن الموقع الإلكتروني يعمل 24 ساعةكل الأيام، فلا يغلق أبوابه في الأجازات والأعياد، فالعمل في الجريدة الورقية ينتهي بمجرد دوران عجلة الطباعة ووجود الجريدة في الأسواق، وبالتالي واجهنا مشكلة ماذا سنقدم من أخبار في أيام النحسالإخباريكما كنت اسميها، وهي أيام الجمع والأعياد والإجازات. وواجهتنا مشكلة ماذا سوف ننشر بعد السادسة مساءً على الموقع الإلكتروني الإخباري. فاذا كان زبائننا في الشرق الأوسط ينامون ليلاً، فهناك ناطقين بالعربية في الأمريكتين على سبيل المثال يبدؤون يومهم، فماذا نقدم لهم؟ 

 وهنا كان خالد قادراً على إنتاج حلول لكثير من هذه المشاكل، منها مثلاً أجتماع  آخر اليوم السريع لكي نستلم المواد التي سوف يتم نشرهاعلى الموقع حتى صباح اليوم التالي. وفي نفس الوقت وضع خطة عمل اليوم الجديد

كان بعض زملائنا الكبار يتملمون من هذا الإجتماع، وبعضهم كان يحضره على مضض، وأخرون يتغيبون .. الخ. ولكن تدريجياً أصبح كماكنت اسميه عقيدةترسخت بفضل اصرار خالد على النجاح.  

 بالتأكيد خالد لم يكن وحده، ولكن وبعد خبرة تقترب من 40 عاما في الصحافة، يمكنني القول إن القائد هو أساس النجاح، فمهما كانت عبقريتك، فلن تستطيع تنفيذ شئ من أفكارك  لو كان القائد لا يفهم، أو للدقة غير مبدع، أو ليس لديه هذا الغرام بالصحافة مثل خالد. فعندما. أصبح مذيع ناجح لبرنامج توك شو على قناة أون تي في، وعندما أتيح له الكثير من الفرص في الصحافة التليفزيونية، لم يتخل ابداً عن اليومالسابع أو يهمل فيها، بل كان يقول دائماً انها هي الأساس. وكان محقاً بالتأكيد، فقد قاتل في ظروف صعبة للحفاظ على هذا الكيان، للحفاظ على حلمه

  خالد بني ادمله عيوب وله مميزات، أعرف أن هناك من يختلفون معه سياسياً وهذا حقهم، وهناك من أختلفوا معه أحياناً في الإدارة، وانا منهم، وأعرف أن هناك ربما من لا يحبونه، وهناك من يكرهونه ويكرهون اليوم السابع، لكن كل هذا لا يقلل من الخدمات الجليلة التي قدمها الرجل لصناعة الأخبار ولصناعة المواقع الإلكترونية

الأمر بالضبط مع الفارق، مثل أن يكون لدينا طبيب استثنائي مثل دكتور مجدي يعقوب طور وأبتكر خدمات طبية للمجتمع، فليس منطقياً أن تخسف بيه الأرضلأنك تختلف معه دينياً أو ادارياً إو اسياسياً أو حتى شخصياً. فأظن أن هذا ظلم لا يليق، والأهم أنه يمنع الإستفادة من خبرات هؤلاء الإستثنائيين في صناعة الصحافة والإعلام، والبناء عليها وتطويرها.

أدعو خالد صادقاً لأن يتحمس مجدداً لتوثيق هذه التجربة الرائدة، فنحن للأسف ليس لدينا تاريخ مهنيللصحافة، لدينا فقط تاريخ سياسي منحاز. يا صديقي أرجو أن تتخذ قراراً بتولي فريق من الباحثين والأكاديميين مهمة كتابة هذه التجربة الرائدة. وأتمنى أن يفعل مثلك كل زملائنا وأصدقائنا الكبار الذين أضافوا الكثير إلى هذه الصناعةدعونا نترك ما يمكث في الأرض وينفع الناس

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى