مينا ماهر يكتب : “خفة ظل” حدوتة بعد النوم Reviewed by Momizat on . في يوم من الأيام، في مملكة ما من الممالك...في زمن لا تدركه عجائب ولا أساطير...استيقظ الناس على صوت نحيبٍ وعويل! وكلما استيقظ بيت من بيوت المدينة...تزداد المملكة في يوم من الأيام، في مملكة ما من الممالك...في زمن لا تدركه عجائب ولا أساطير...استيقظ الناس على صوت نحيبٍ وعويل! وكلما استيقظ بيت من بيوت المدينة...تزداد المملكة Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » مينا ماهر يكتب : “خفة ظل” حدوتة بعد النوم

مينا ماهر يكتب : “خفة ظل” حدوتة بعد النوم

مينا ماهر يكتب : “خفة ظل” حدوتة بعد النوم

في يوم من الأيام، في مملكة ما من الممالك…في زمن لا تدركه عجائب ولا أساطير…استيقظ الناس على صوت نحيبٍ وعويل! وكلما استيقظ بيت من بيوت المدينة…تزداد المملكة صراخاً! فقد فوجئ الناس ذلك الصباح ان صورهم في المرايا لم تظهر، ومنهم من وجدوا أن صورهم تعكس تصرفات مختلفة تماماً عما يفعلونه!

آسف…قد غاب سهواً عن ذهني أن أشرح لكم اولاً ما هو عالم ما وراء المرايا! فكل منا له شبيه حي داخل المرآة، يقوم بتقليد ما نفعله بالضبط! يعيش كل لحظات حياتنا، بأفراحها وأحزانها، لكن على الجانب الآخر من المرآة! عالم خفي، صورة طبق الأصل من عالمنا؛ الفرق الوحيد انه عالم مظلم، غير مضيء بذاته!…يضيء كحالة استثنائية فقط أمام واجهات المرايا من النور المنعكس من عالمنا! فالمرايا يا حضرات هي مصدر “استنارة” عالم ما وراء المرايا الوحيد!

لكن لماذا بدأت الصورة في التمرد على أصلها دون أية مقدمات؟ وكيف لها أن يجرؤ على تحدي مصدر استثارتها!؟ منذ يومين على وجه التحديد، شعر الظل الناتج عن كل شبيه يقف خلف المرآة بضعفه الشديد، فهو يضمحل ويتلاشى ومن ثمة ينفصل عن بقية الظلام المهيمن خلف المرايا، بسبب الضوء المنعكس عن الجانب الآخر. ولذا، من أجل حفظ كيانه كجزء لا يتجزأ من ذاك الظلام، ابتدأ يحرض الشبيه ضد أصله:

–  بالله عليك…ألا تخجل من نفسك؟!…أعبدٌ انت لأصلك؟ فأنت لا تكف عن تقليده في أي شيء يفعله…ألا ترغب في أن يكون لك كيان مستقل؟!

واستمر الظل في الإلحاح على أذان أشباه الناس المختلفة على هذا المنوال إلى أن اقتنعوا، متفكرين في أنفسهم:

– ولما كل هذا الذل يا ترى، ما دمنا نستطيع أن نتحرر من سلطان الأصل ومرآته.

وهكذا بدأ الاشباه في التمرد على أصلهم، لدرجة أن منهم من أبوا أن يقبلوا نحو المرآة مطلقاً، تاركين الأصول بلا صور! ولذا فزع الناس يومها …فتلك كانت الحادثة الأولى من نوعها! وتدريجياً، أصبحت المرايا كلها بلا فائدة…فكان الأمر الملكي بتحطيم كل المرايا وحرقها واعادة تصنيعها لما هو أفيد…نتيجةً منطقيةً جداً!

وكانت تلك العبارة التعيسة آخر ما قاله كل شبيه لأصله قبل كسر مرآته:

– لمآذا أخذتني على محمل الجدية…فقد كانت هذه مجرد “خفة ظل”!!!

وهكذا انتهت المرايا من الوجود وأضحى عالم المرايا عالماً مظلماً…ابتلعته الظلمة بأكمله وأصبح الكل للواحد والواحد للكل!

مرت سنين طويلة، فقد فيها أهل المملكة وعيهم بمظهرهم…فما عاد أحد يعتني بشكله، مما أدى الى العديد من حالات الاكتئاب والنفور من الذات… وأثر ذلك سلباً على المملكة في شتى المجالات! وفي الوقت ذاته… ازداد سلطان الظلام أكثر فأكثر خلف المرايا! فبسبب هذا الخلل البسيط في ميزان الحياة، قد تكالبت اللعنات على كل من العالمين…فقام الملك يوماً بعقد اجتماع فوري مع كبار المملكة أمر فيه بإعادة صناعة المرايا من جديد!… أمر يدعو إلى التعجب، خاصة ان “سر الصنعة” قد فقد منذ زمن طويل…لكن لحكمة الملك، قد احتفظ بطريقة صناعة المرايا في خزانته قبل ان يقوم بتكسيرهم! وبالتالي تم تدريب مجموعة قليلة من الحرفيين لإنتاج مرآة واحدة على سبيل التجربة… فوقف أحد خدم الملك أمام المرآة لفحصها! والمفاجأة كانت ان صورته لم تظهر! أمر بديهي جداً؛ فأشباه الناس من الأجيال الجديدة أمست لا تعلم شيئاً عن العالم الخارجي أو المرايا أصلاً… فهم يحيون في ظلمات جهل هذا العالم المهمل، منفصلين تماماً عن عالمنا!

فكيف إذن سيعيد الملك الأمور ادراجها…إما أن ينتظروا شبيهاً ما أن يخطو أمام المرآة على سبيل الصدفة البحتة او أن يقوم أحد الناس بالانتقال فعلياً الى عالم ما وراء المرايا ويأتيهم بالأخبار السارة لكن العقدة تكمن في أن الشخص المرسل لابد وأن يكون هو في حد ذاته…صورة! وكيف لهم أن يحققوا هذا!

بعد مناقشات عديدة وعواصف ذهنية جمة…توصلوا إلى حل مثالي: هو أن تصنع دمية مطاطية كاملة طبق الأصل من صاحبها باستعانة من خبراء التجميل والحيل السينمائية؛ ثم يضعونها أمام المرآة…ولأنها دمية غير حية ستظهر صورتها في المرآة كأي قطعة من الجماد…بعدها يجب أن تنتقل روح الشخص صاحب الدمية الى صورة الدمية داخل المرآة عن طريق أحد خبراء الأرواح! لكن المأزق في هذا الحل الهلامي العجيب هو أنه يجب على صاحب الدمية أن يموت حتى تنتقل روحه من جسده الى صورة الدمية في المرآة! ساد حزن جامح وكآبة ليس لها مثيل في القصر الملكي؛ فمن سيتطوع لعمل كهذا؟! فلم يتوقع أحد خسارة هذا مقدارها…في سبيل تنفيذ مطلب بسيط! لكن الملك بروح الفرسان أعلن تطوعه الكامل لإتمام هذه المهمة! وأمر أن تكسر تلك المرآة رأساً بعد أن يتم نقل روحه لصورة الدمية؛ لعل أحد ما قد يتسلل الى او خارج المرآة ويفسد الخطة! اضطرب الموجودون من هذا القرار الطائش وسألوا الملك:

– أتدرك حجم المسؤولية؟! فستموت جلالتك، ولن تقدر ان تعود، وستتركنا نلهث عبثاً من بعدك!

فقال لهم بثقة:

– بل سأعود…لا تقلقوا!

وصنعت بالفعل دمية طبق الأصل من الملك، ومات الملك من أجل الصالح العام وانتقلت روحه الى عالم ما وراء المرايا في جسد الدمية…وصار يجول ويعرَّف كل الصور الضالة ان لهم أصولاً ومكانةً خاصة في قلوب الناس…وكيف أدى تمردهم في القديم الى مصاهرتهم للظلام الى الابد. استقبل بعض الأشباه تلك الأخبار بسرور، بينما البعض الآخر رفضوها وارتضوا أن يحيوا في ظلمات عالم المرايا… ومنهم من حاول أيضاً افشال خطة خلاص هؤلاء الذين قبلوا أن ينجوا من عبودية الظلام…لكن الارادة كانت أكبر وأقوى…فجمع الملك كل الصور الحليفة وارتحل معهم الى مكان البحيرة العظيمة التي في شرق المملكة؛ فقد خفي على ذهن الجميع، إلا الملك، أن المياه سطح عاكس كالمرايا بالضبط…الفرق الوحيد هو انه وسط يمكن للصور اختراقه، على نقيض المرآة! فكان الملك ملماً بمملكته وخفاياها وكان يعلم أنه عن طريق المياه، والمياه فقط، ستنتقل الصور الى العالم الأصلي…فالماء يعتبر بوابة بين العالمين…فحين يغطس الشبيه في البحيرة… ينتقل رأساً للعالم الأصلي! لكن مع العجب…العكس غير صحيح! فعلى الرغم من بساطة الماء…الا أنه في غاية التعقيد في عالم المرايا! الى ما هناك…تبعت الصور صورة الملك و غطسوا في البحيرة ليخرجوا جميعهم الى نور العالم الاصلي…واعتبرت هذه الواقعة عهداً جديداً لهذا العالم، حيث كسرت المرايا الى الأبد وأصبح كل شبيه عائدٍ متعايشاً مع أصله في سلام ومحبة… وليس سجيناً للمرايا! أما من لم يعد، فقد اختار أن يظل مغيباً بلا أصل!… وتوتة توتة…فَرُغَت الحدوتة

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى