يحيي عواره يكتب: ليست دعوةً للفسق! Reviewed by Momizat on .     أعني بالفِسْقِ هنا الخروج بالتحريض أو السلوك على ما تعارف عليه المجتمع أخلاقيًا، وإعلان هذا العصيان على رؤوس الأشهاد. أود من البداية أن يكون واضحً     أعني بالفِسْقِ هنا الخروج بالتحريض أو السلوك على ما تعارف عليه المجتمع أخلاقيًا، وإعلان هذا العصيان على رؤوس الأشهاد. أود من البداية أن يكون واضحً Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » يحيي عواره يكتب: ليست دعوةً للفسق!

يحيي عواره يكتب: ليست دعوةً للفسق!

يحيي عواره يكتب: ليست دعوةً للفسق!

 

 

أعني بالفِسْقِ هنا الخروج بالتحريض أو السلوك على ما تعارف عليه المجتمع أخلاقيًا، وإعلان هذا العصيان على رؤوس الأشهاد.
أود من البداية أن يكون واضحًا أنني لا أنوي هنا أن أدعو لفسق، وإن كنت أعترف بأنني أعتقد أن لبعض الفسق فضلًا.
عن أبي نواس:
—————
هو الحسن بن هانيء الحكمي، من أشهر شعراء العصر العباسي، ولد في الأحواز جنوب غربي إيران سنة 145 هـ. ملك ناصية اللغة والأدب ونبغ في دراسة الفقه والحديث والتفسير في سن مبكرة. أقام لفترة بالبصرة، ثم انتقل لبغداد، وامتدح هارون الرشيد فنال عنده حظوة، ولكن هذا لم يمنع الخليفة من حبسه، من آن لآخر، عقابًا له على ما يورده في شعره من فاحش القول ووصفه للمباذل والمجون، فعلى الرغم من شيوع هذا النوع من الشعر في هذه الفترة إلا أن أبا نواس كان أفحش معاصريه وأكثرهم جرأة. جهر أبو نواس بشعر الغزل بالذكور ولم يكن هذا مألوفًا قبلها، كما أعتبر “شاعر الخمر بغير منازع”، فالخمر هي عروس شعره الحقيقية وقد قال فيها ما تجلت فيه عبقريته المجددة التي رفعته فوق الكثيرين من سابقيه ولاحقيه، ومما قاله في الخمر:
“دعِ المساجدَ للعباد تسكنها … وطف بنا حول خمارٍ ليسقينا
ما قال ربُك ويل للذين سكروا ……… ولكن قال ويلٌ للمصلينا”

عن شارل بودلير (Charles Baudelaire):
—————————————–
ولد بودلير عام 1821، وتوفي والده الذي كان مدرسًا مثقفًا مولعًا بالفن وهو دون السادسة، فأسرفت أمه التي كانت سيدة ذات مزاج راقٍ مولع بالترف في تدليله حتى تزوجت من ضابط بالجيش الفرنسي، ومن وقتها، لم يكف بودلير عن التعبير عن ألمه لهذا الزواج، كما لم يستطع زوج أمه أن يحوز منه أي قبول. ترك شارل بيت الأسرة وعاش بالفنادق حياة ترف وإسراف، فأدمن الخمر والمخدرات حتى كاد يبدد كل ثروته الموروثة، وأقدم على الانتحار عندما استصدر زوج أمه حكمًا بالحجر عليه، وقد فشلت كل محاولات أمه وزوجها في اقناعه أو ارغامه على الالتزام بالسلوك اللائق اجتماعيًا وأخلاقيًا.
أما من ناحية ابداعه الأدبي، فقد بدأ كتابة قصائده النثرية عام 1857 بعد نشر ديوانه الشهير “أزهار الشر” مدفوعًا بالرغبة في شكلٍ شعريٍ جديد يمكن بواسطته اقتناص الوجه النسبي المتمرد للجمال.
يعتبر بودلير من أبرز شعراء فرنسا في القرن التاسع عشر ومن أهم رموز الحداثة في العالم، كان شعره، مضمونًا وصياغة، متقدمًا عن زمنه فلم تقدر موهبته حق قدرها إلا بعد وفاته، ويعتبر بودلير مؤسسًا لمدرسة شعرية، وزعيمًا للمذهب الرمزي الذي تناول شعراؤه أعماقًا فلسفية جديدة وأسسوا لقواعد إيقاع لم تكن معروفة.
وعلى الرغم من أن بعض نقاد عصره اتهموه باشاعة الانحلال، وأن بعضًا من قصائده منع من التداول، وأنه عاش شقيًا معذبًا، فقد استطاع هذا الشاعر الفذ أن يستوحي من آلامه شعرًا عميقًا وباقيًا ويقطر عذوبة ورقةً وجمالًا.

عن عمر بن أبي ربيعة:
———————-
ولد ابن أبي ربيعة عام 23 هـ. وعاش حتى توفي عام 93 هـ.، ويحكى أنه ولد يوم اغتيال الخليفة عمر بن الخطاب وسمي لهذا باسمه، كما يحكى أنه مات غريقًا حين احترقت سفينة كان ضمن ركابها في إحدى الغزوات.
نشأ عمر بن أبي ربيعة في مطلع العصر الأموي في كنف أسرة قرشية موسرة، وكان معروفًا بالوسامة والأناقة والولع بالنساء، وقد تفرغ للمغامرات العاطفية وقول الشعر في غرض واحد هو الغزل، ومما يروى: أن سليمان بن عبد الملك سأله: “ما يمنعك من مدحنا ؟” فأجابه: “أنا لا أمدح إلا النساء”.
كان شاعرنا المغامر أشعر قريش في وقته، ولكن كثيرًا من غزله كان صريحًا ومتسمًا بالمجون و الخلاعة. ويروى عنه أنه كان يترقب موسم الحج ليلقى الحاجَّات من الشام والمدينة والعراق، فيتعرف عليهن ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ويتشبب بهن راويًا مغامراته معهن أو طرفًا منها، ومما قاله في تمنيه أن يكون الحج على مدار العام: “ليت ذا الدهر كان حتمًا علينا … كل يومين حجة واعتمارًا”.
أجاد عمر بن أبي ربيعة في تصوير عواطف المرأة وفي تصوير نفسه حينًا عاشقًا ومعشوقًا في أكثر الأحيان، وكان مجددًا من حيث اكساب قصيدة الغزل أشكالًا جديدة كالقص والحوار ومن حيث ترقيق الأوزان الصالحة للغناء.
وقد نفاه الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى “دهلك” ويقال أنه أقلع بعدها عن القريض.

تُرى ما الذي كان يبقى لنا من أثر هؤلاء الشعراء الأفذاذ، وكم كانت ستكون الخسارة في رصيدنا من الجمال والمعرفة، لو انهم وأمثالهم تابوا حين استتيبوا أو ارتدعوا حين زجروا !؟
أظن أننا مدينون لمثل أولئك المعذبين المارقين، الذين لم يمتثلوا، ولم يغادروا قبل يغزلوا لنا من نتاج معاناتهم خيوطًا ملونة تقودنا إلى أعماقٍ فينا وفي غيرنا ماكنا لنسبر غورها بغير ابداعاتهم الصادقة.

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى