منسي موريس يكتب: الحقيقة بين النسبي والمُطلق Reviewed by Momizat on . هل توجد حقائق مُطلقة؟ أم أن الحقائق نسبية متغيرة ؟ هل فعلاً أن الإعتقاد بالحقائق المُطلقة يجعل الإنسان يقع في أفخاخ التعصب والجمود والإرهاب ؟ وماهى الخطورة إذا هل توجد حقائق مُطلقة؟ أم أن الحقائق نسبية متغيرة ؟ هل فعلاً أن الإعتقاد بالحقائق المُطلقة يجعل الإنسان يقع في أفخاخ التعصب والجمود والإرهاب ؟ وماهى الخطورة إذا Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » منسي موريس يكتب: الحقيقة بين النسبي والمُطلق

منسي موريس يكتب: الحقيقة بين النسبي والمُطلق

منسي موريس يكتب: الحقيقة بين النسبي والمُطلق

هل توجد حقائق مُطلقة؟ أم أن الحقائق نسبية متغيرة ؟ هل فعلاً أن الإعتقاد بالحقائق المُطلقة يجعل الإنسان يقع في أفخاخ التعصب والجمود والإرهاب ؟ وماهى الخطورة إذا إعتقدنا نحن المؤمنين بأن الحقائق نسبية؟

هذا النقاش الفلسفي الكبير حول طبيعة الحقيقة  والمعرفة بدأ منذ ظهور حركات التفلسف خاصةً في العصر اليوناني ونجده واضحاً وبقوة في المحاورات الفلسفية عند كل من ” سقراط وأفلاطون والسوفسطائيين ” فمثلاً نجد الفيلسوف “بروتاغوراس ” وهو أحد كبار السوفسطائيين في عصره كان يقول ” أن الإنسان هو مقياس كل شيء ” وهذا معناه أن المعارف والحقائق متغيرة ونسبية وتختلف من شخصٍ لآخر ومن مجتمعٍ لآخر  ، أما في العصور الحديثة والمعاصرة نجد هذه النزعة النسبوية راسخة في تيار ما بعد الحداثة عند ” ليوتار ودريدا ” وهذا التيار لايؤمن بالسرديات الكبرى ولابالحقائق الكلية ولا بالنظريات الشمولية وينكر حقيقة وجود عالم موحد كموضوع للتصور فبالتالى النتيجة لاتوجد حقائق مُطلقة  لأن الحقيقة بالنسبة لهؤلاء شيء مخلوق من طرف الفرد والمجتمع والثقافة.

فهل فعلاً توجد حقائق مُطلقة ؟ وإذا كانت طبيعة الحقيقة متغيرة ونسبية فهل سنواجه إشكالات إبستمولوجية وفلسفية ولاهوتية ؟

من الغريب جداً أن نجد الكثير من المُلحدين والمؤمنين يؤمنون بنسبية المعارف والحقائق لأنهم يعتقدون أن إمتلاك الحقيقة المُطلقة يجعل الإنسان متعصباً متحجراً مع الآخر أما الإيمان بنسبيتها يجعل الإنسان منفتحاً متسامحاً غير متعصب لأى رأى وفكرة وتصور ، وهنا سنوضح الإشكالات الفلسفية للمنظور القائل بنسبية الحقيقة .

أولاً : الربط بين إمتلاك الحقيقة المُطلقة وبين التعصب ليس شرطاً ضرورياً فمن الممكن أن يكون الشخص لديه إعتقاد راسخ بأنه وصل لحقيقة يقينة ولكنه لا يسعى لفرضها على الآخرين بالقوة فالخطورة هي عندما يخرج هذا الإيمان من دائرة الذات إلى دائرة الآخر ومحاولة السيطرة عليه.

ثانياً : كل إنسان يرى أن منظوره هو الحق فالمُلحد يرى أن إلحاده حقيقة مُطلقة واللادينى يعتقد أيضاً أن منظوره هو أمر يقينى فلماذا إذن نجد الكثير من المُلحدين يتهمون المؤمنين بأنهم متعصبون لأنهم يعتقدون أنهم يمتلكون الحقائق المُطلقة  وهم يفعلون نفس الشىء أيضاً ؟

ثالثاً : القول بأن الحقائق نسبية هو قول به مغالطة منطقية لأن هذا القول يعد حقيقة مُطلقة حتى تيارات ما بعد الحداثة الذين يرفضون كل السرديات والكليات هم أيضاً يبنون سردية مفاداها ” لاتوجد سردية” وهذا البناء في حد ذاته سردية كبرى .

رابعاً : كل القائلين بنسبية المعارف والحقائق نجدهم يؤمنون بالمبادىء والحقائق العلمية الثابتة الراسخة وهذا تناقض يُخالف إدعائهم بالقول بنسبية الحقيقة .

خامساً : القول بنسبية الحقائق قد يهدم كل الأنساق الأخلاقية لأن نسبية الحقائق ستؤدى إلى نسبية الأخلاق ونفى كل مرجعية أخلاقية مُفارقة للواقع وهنا قد نجد الكثير من الثقافات والمجتمعات يقولون بأننا ندعم الحرية والعدل والخير لكن عندما نحلل هذه المقولات قد نجدها تتناقض مع هذه القيم تناقض صارخ فكيف نحكم عليهم إذن ونحن بهذا المنطلق النسبى هدمنا كل المرجعيات ومعايير الحكم  بمعاول النسبية؟ أليس هذا سوف يبرر لكل الإيدلوجيات المستبدة والإرهابية أن تضع لأنفسها قيم أخلاقية تتعارض مع كل ما هو أخلاقى ؟

سادساً : القول بنسبية الحقائق قد يهدم كل الحقائق وسجعل من الأوهام حقائق لأن المنظور النسبى لايقدم معايير عقلية وفلسفية ومنطقية ثابتة للحكم على الحقائق .

سابعاً : العقل ذاته يتحرك وفق قوانين معياريه ومنطقية للحكم على الأشياء كقانون الهوية أو عدم التناقض وقانون السببية أو العلية والكثير من القواعد المنطقية التي من شأنها أن تؤهل الإنسان لمعرفة الحقائق والحكم عليها سواء بالصواب أو بالخطأ لذلك الطعن في هذه القوانين المُطلقة بالقول بنسبية الحقائق هو طعن في العقل ذاته .

ثامناً : كل القائلين بنسبية الحقائق من المسيحيين لايدركون خطورة ما يعتقدون لأسباب بسيطة كيف يوفقون بين قولهم هذا وبين قول ” السيد المسيح ” ” أنا هو الطريق والحق والحياة ” ؟

كيف يمكن أن يكون المرء مسيحياً حقاً وهو لايعتقد إعتقاد يقينى بمبادىء الإيمان الرئيسية مثل ” الوجود الإلهى ، ألوهية المسيح ، الحياة الأبدية؟ أليس الإيمان بأن الحقائق نسبية هو الذى أدى إلى وجود تيارات صوفية تؤمن بتعدد الحقائق وبوحدة الأديان مما فرغ المسيحية من مسيحيتها ؟

أخيراً : يمكننا أن نؤمن بوجود حقائق كلية ومُطلقة  سواء هذه الحقائق  كانت عقلية أو علمية أو أخلاقية وروحية شريطة أن نتحلى بمبادىء البحث السليم والعقلانى البعيد كل البعد عن الأهواء والعاطفة والمعارف المُسبقة وأن إقتناص هذه الحقائق يجعلنا محبين لكل من يخالفنا الرأي والعقيدة والفكر خاصةً إذا كانت حقيقتنا المُطلقة محبة الله والناس  فالحب قيمة مُطلقة كذلك الخير والعدل والحرية والمنطق والقوانين العقلية والعلمية وكل هذه القيم والحقائق لولاها لإنهار الإنسان بوجوده وحضارته ومصيره .

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى