يحيي عواره يكتب: “المادية” و”المثالية” بين الأخلاق والفلسفة … (1) Reviewed by Momizat on . … هو ليس مثاليًا… إنه ماديٌ جدًا ! هل انصرف ذهنك -عزيزي القارئ- إلى الظن بأنني أصف شخصًا ما بأنه غير مبالٍ بالمثل الإنسانية العليا؟ هل ظننت إنه واحدٌ من أولئك ا … هو ليس مثاليًا… إنه ماديٌ جدًا ! هل انصرف ذهنك -عزيزي القارئ- إلى الظن بأنني أصف شخصًا ما بأنه غير مبالٍ بالمثل الإنسانية العليا؟ هل ظننت إنه واحدٌ من أولئك ا Rating:
انت هنا : الرئيسية » مقالات » يحيي عواره يكتب: “المادية” و”المثالية” بين الأخلاق والفلسفة … (1)

يحيي عواره يكتب: “المادية” و”المثالية” بين الأخلاق والفلسفة … (1)

يحيي عواره يكتب: “المادية” و”المثالية” بين الأخلاق والفلسفة … (1)

… هو ليس مثاليًا… إنه ماديٌ جدًا !
هل انصرف ذهنك -عزيزي القارئ- إلى الظن بأنني أصف شخصًا ما بأنه غير مبالٍ بالمثل الإنسانية العليا؟ هل ظننت إنه واحدٌ من أولئك الذين لا يقدِّرون أي علاقة إلا بما يكافئها من النقود أو المتاع؟… إن كان هذا قد حدث، فهذا يعني أن ظني بأن إلقاء بعض الضوء على مفهومي “المثالية” و”المادية” في مجال الفكر والفلسفة قد ينطوي على بعض الفائدة.

هناك واقعة حقيقية تشير إلى القدر الكبير من سوء التقدير وحمق التصرف الذي يمكن أن ينتج عن غموض المفاهيم… حدث أن مثقفًا مرموقًا قرر أن يرشح نفسه عن دائرة يشكل الفلاحون البسطاء أغلبية ناخبيها، وكان منافسه ممن تمرسوا على ألاعيب الانتخابات، فأشاع في الدائرة أن هذا المرشح المثقف يؤيد “الديموقراطية” التي تعني التحلل من كل القيم الموروثة وتبيح ممارسة المحرمات. وقد طلب هذا الخبيث من الناس أن يتأكدوا بأنفسهم بأن يسألوا منافسه سؤالًا واحدًا؛ “هل انت مع الديموقراطية؟”، وحينما سئل صاحبنا، أكد طبعًا أنه مع الديموقراطية، وخسر بذلك سُمعتَه، فضلًا عن الانتخابات.

عودة إلى موضوع المقال… للفظي “المثالية” و”المادية” دلالات تختلف كثيرًا وفقًا للسياق، وهذا الاختلاف قد يغمض على الكثيرين منا، خاصة حين استخدامهما لتوصيف مذاهب الفلسفة وأساليب الفكر… ولهذا أعتقدت أن فهمًا أفضل لهما ربما يكون مفيدًا.

تكاد المذاهب الفلسفية تنقسم منذ نشأت، إلى قسمين رئيسيين؛ مثالية (idealist) ومادية (materialist). وقد نتج هذا التقسيم عن طرح السؤال عما هي البداية أو الأصل؛ هل هي المادة؟ أم هي الوعي الذي يتكون لدينا عنها؟… وهل الفكر هو الأصل؟ أم أنه مجرد شكل الازدهار النهائي للطبيعة في نهاية نموها التطوري الطويل؟

سنلقي هنا وفي هذا المقال نظرة موجزة على مذاهب الفلسفية “المادية”، ونحاول الإشارة إلى أبرز ملامحها، على نية القيام بنفس المحاولة مع الفلسفة “المثالية” في مقال قادم.
وأود مقدمًا أن أعترف بإدراكي لتعذر تقديم المذاهب الفكرية والفلسفية التي سيتطرق اليها حديثي تقديمًا دقيقًا للدرجة التي ترضيني وترضي جميع القراء.
وآمل أن أوفق في عرض ما أريد التعريف به، دون تحيز يخِل بالإنصاف أو تسطيح يخل بالأمانة، وحسبي أنني لا أطمح لأكثر من الإشارة السريعة إلى تمييز قد يعفي من خسائر من نوع خسارة المرشح الأفضل أمام المرشح المخادع… أقصد تجنُب اختلاط المفاهيم.

نشأت أصول مذاهب الفلسفة المادية من وقت مبكر على يد بعض من أعظم فلاسفة اليونان القديمة مثل هيراقليطس، طاليس، ديمقريطس، والفيلسوف العظيم إبيقور، الذي يعد، ربما أبرزهم على الإطلاق. وقد استمرت المذاهب الفلسفية المادية عبر العصور وخلال القرون الأخيرة على يد فلاسفة كبار منهم ديدرو، دولباخ، فورباخ وكارل ماركس وغيرهم.
وتشترك المذاهب الفلسفية المادية في تعريف المادة على أنها ما يوجد خارج كل ذهن، وما هو في غير حاجة إلى أي ذهن لكي يوجد، وفي اعتبار أن أفكارنا وأحاسيسنا ما هي إلا نتاجٌ للمادة وانعكاسٌ عنها، وأنه من الممكن النفاذ إلى العالم وقوانينه بواسطة المعرفة الإنسانية التي تقوم التجربة والممارسة بمراجعة حصيلتها والتثبت من صحتها أولًا بأول.
ولطالما أشار الماديون، لتوضيح هذه الفكرة، إلى أن الأرض وجدت قبل أي كائن حي ذي حساسية أو فكر، وإلى أن واقعًا ما، كان موجودًا بالتأكيد في الأوقات السابقة على وجود أية درجة من الإدراك أو المعرفة، وهم يستدلون بهذا على أن المادة موجودة خارج أي فكر ومستقلة عن أي ذهن.
وقد تميز فلاسفة المادية، على وجه العموم، بأنهم “طبيعيون”، بمعنى أنهم لا يرون في الإنسان إلا جزءًا من الطبيعة، وبإنهم “تجريبيون وعقليون”، بمعنى أنهم يعتقدون بقيمة المناهج العقلية والتحليلية، ومما يُحسَب لهم أيضًا تصديهم للاتجاهات “اللاعقلانية” وللنزعات “الذاتية”، وكذلك الإفادة من تقدم البحث في مناهج العلوم الطبيعية والمنطق.
وقد يؤخذ على مذاهب الفلسفة المادية وفلاسفتها ضعف بنيانها النظري، وسلبيتها إزاء مشكلات المصير الإنساني، أي ما يخص القضايا المتصلة بالألم والأخلاق والدين، مثلًا، فهم في الغالب لا يزيدون عن نفي اعتبارها مشكلات فلسفية على الإطلاق.

وأود قبل أن أختم هذا المقال، أن أؤكد إنني حاولت تجنب ترجيح كفة مذهب فلسفي على ماعداه، فهذا مما لا يتسع له المجال هنا، وهو – بحد ذاته – غير ممكن، دون التعريف الذي نود أن يتم بتواضع في المقالين… هذا إذا دعى لهذا النوع من الترجيح داعٍ.

وإلى اللقاء – قارئي العزيز – في المقال القادم عما يقصد ب”المثالية” في المذاهب الفلسفية.

© 2013 Developed by URHosted

الصعود لأعلى