أزمة أطباء كيبيك: لوجو يتراجع ودوبيه يستقيل والأطباء يعودون!

جاء الاتفاق الذي توصل إليه أطباء الأسرة Family doctors مع حكومة كيبيك وتحديدا رئيس الوزراء فرانسوا لوجو François Legault بمثابة صمام أمان مؤقت في خضم أزمة صحية كادت أن تنفلت من عقالها وتؤدي إلى نتائج وخيمة قد تهدد استقرار النظام الصحي في كيبيك ثاني أكبر أقاليم كندا بعد أونتاريو.
تراجع حكومة فرانسوا لوجو أمام الأطباء
بعد أسابيع من التوتر والمواجهات المفتوحة حول مشروع القانون رقم 2 اختارت الحكومة التراجع الجزئي وفتح باب التسوية عبر اتفاق مبدئي أعاد رسم ملامح العلاقة بين الدولة والأطباء. وكان المفاوض الرئيسي عن الأطباء اتحادهم برئاسة مارك أندرية آميوت Dr. Marc-André Amyot. هذا الاتفاق الذي حظي بتصويت كاسح من أطباء الأسرة عكس رغبة واضحة في استعادة الاستقرار وحماية الرعاية الأولية من الانهيار. فقد تخلت الحكومة عن بنود عقابية مثيرة للجدل مقابل التزام الأطباء باستقبال مئات الآلاف من المرضى والمشاركة في إصلاح نموذج التعويض. ورغم أن الاتفاق لم ينه كل الخلافات إلا أنه أرسل إشارة سياسية قوية مفادها أن فرض الإصلاح بالقوة بلغ حدوده وأن الحوار بات الخيار الوحيد الممكن.
وقف هجرة أطباء كيبيك إلى أقاليم كندا المجاورة
في المقابل كشفت الأزمة عن ظاهرة مقلقة تمثلت في تسارع هجرة الأطباء من كيبيك نحو أقاليم كندية أخرى بحثا عن ظروف عمل أكثر استقرارا واحتراما للاستقلالية المهنية. فمشروع القانون رقم 2 وما رافقه من خطاب سياسي ضاغط دفع عددا من الأطباء إلى اتخاذ قرارات نهائية بالمغادرة بعدما شعروا بأن ممارستهم باتت رهينة منطق إداري لا يراعي واقع المهنة ولا تعقيدها. هذه الهجرة الطبية لا تعني فقط خسارة كفاءات مدربة على نفقة الدولة، بل تنذر بتفاقم النقص في أطباء الأسرة والاختصاص داخل كيبيك وتوسيع الفجوة بين الطلب المتزايد على الرعاية والقدرة الفعلية على توفيرها. ومع استمرار هذا النزيف البشري يصبح مستقبل النظام الصحي مرهونا بقدرة الحكومة على استعادة الثقة قبل فوات الأوان.
أزمة ثقة بين الأطباء والحكومة والمرضى
شهد إقليم كيبيك واحدة من أخطر الأزمات الصحية والسياسية في تاريخه المعاصر بعد أن فجّر مشروع القانون رقم 2 المتعلق بإصلاح نظام عمل وتعويض الأطباء مواجهة مفتوحة بين الحكومة والأطباء وانعكاسات مباشرة على المرضى الذين وجدوا أنفسهم مجددا في قلب معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل سوى القلق على حق أساسي هو العلاج. أزمة لم تعد محصورة في نص تشريعي، بل تحولت إلى أزمة ثقة عميقة تطاول النظام الصحي برمته وتضع الدولة أمام امتحان صعب في كيفية التوفيق بين الإدارة والطب وبين الحسابات المالية والكرامة الإنسانية.
قانون ينظم أداء الأطباء مقابل مرتباتهم المرتفعة
عندما اعتمدت حكومة فرانسوا لوجو مشروع القانون رقم 2 في 25 أكتوبر قدمته على أنه إصلاح ضروري لضمان استدامة النظام الصحي وتحسين أدائه في ظل ضغوط ديموغرافية ومالية متزايدة. غير أن الطريقة التي صيغ بها القانون ولا سيما ربط جزء من أجور الأطباء بأهداف أداء محددة حولته سريعا إلى مصدر غضب واسع داخل الأوساط الطبية.
الأطباء اعتبروا أن هذا المنطق يحول الممارسة الطبية إلى نشاط خاضع لمؤشرات رقمية صارمة لقياس الأداء ويقوض جوهر العلاقة العلاجية القائمة على التقدير السريري والثقة. ومع تصاعد الانتقادات بدأ عدد من أطباء الأسرة والمتخصصين بمغادرة عياداتهم أو إعلان نيتهم الانتقال إلى مقاطعات أخرى ما وضع الحكومة أمام خطر حقيقي يتمثل في تفاقم النقص الحاد في الموارد البشرية الصحية.
مرتبات وضرائب مرتفعة ونقاش عام محتدم
تعد مرتبات الأطباء في كيبيك من بين الأعلى في كندا وهو عامل شكل محور نقاش واسع في سياق الأزمة الراهنة. فبحسب تقارير متخصصة يقدر متوسط الدخل السنوي للطبيب في كيبيك بنحو 420 ألف دولار كندي تقريبا وهو ضمن أعلى المعدلات بين المقاطعات الكندية رغم اختلاف الأجور حسب التخصص وحجم الممارسة. وعلى مستوى أطباء الأسرة تتراوح الأجور حول 384 ألف دولار كندي سنويا بينما يتجاوزها أطباء الاختصاص في بعض المجالات مع فروقات واضحة بين المدن والمناطق.
ورغم ذلك فإن هذه المرتبات تخضع لضرائب مرتفعة للغاية في كيبيك حيث تتراوح المعدلات الضريبية الفعلية بين 39% وقرابة 50% حسب شرائح الدخل وهو ما يقلص صافي العائد المالي مقارنة بمقاطعات أخرى. ومع ذلك تظل كيبيك بيئة جاذبة نسبيا بفضل حجم السوق الطبي ونظام التأمين العام.
في هذا السياق جاء الاتفاق المبدئي بين اتحاد أطباء الأسرة وحكومة فرانسوا لوجو كتعهد مشترك لإعادة صياغة آلية التعويض بدل فرض شروط أداء قد تؤثر سلبا على دخل الأطباء واستقلاليتهم المهنية. الاتفاق الذي صوّت عليه أغلبية ساحقة من الأطباء أبقى على نموذج أجر مركب يوازن بين الدفع المقطوع على أساس عدد المرضى والإجراءات الطبية والأجر بالساعة مع إدخال حوافز إيجابية بدل العقوبات.
قلق شعبي من نظام صحي بطيء ومضطرب ومكتظ أصلا
في خضم هذا الصراع وجد المرضى أنفسهم الحلقة الأضعف. فالنظام الصحي في كيبيك يعاني منذ سنوات من اكتظاظ غرف الطوارئ وصعوبة الحصول على طبيب أسرة وطول قوائم الانتظار للعمليات غير العاجلة وساعات الانتظار الطويلة في العيادات والمستشفيات العامة. ومع تهديد الأطباء بالاستقالة أو الهجرة الطبية تضاعف القلق الشعبي من انهيار تدريجي للخدمات الأساسية.
بالنسبة لعدد كبير من السكان لم تعد الأزمة مسألة تقنية أو نقابية، بل تهديدا مباشرا للأمن الصحي خاصة لدى كبار السن والمرضى المزمنين الذين يعتمدون على استمرارية الرعاية. هذا الضغط الشعبي لعب دورا محوريا في دفع الحكومة إلى إعادة فتح باب التفاوض بعد أن كانت مصممة على فرض القانون.
مفاوضات اللحظة الأخيرة
أمام تصاعد الأزمة دخل رئيس الوزراء فرانسوا لوجو على خط الملف في محاولة واضحة لاحتواء التداعيات. وبعد سلسلة مفاوضات مكثفة توصل اتحاد أطباء الأسرة في كيبيك والحكومة إلى اتفاق مبدئي شكل منعطفا أساسيا في مسار المواجهة. الاتفاق جاء بعد انتهاء الإطار السابق المنظم لظروف عمل أطباء الأسرة في مارس 2023 وهو ما زاد من هشاشة الوضع وتمت الموافقة على تأجيل تطبيق مشروع القانون رقم 2 عبر تشريع جديد يتيح إدخال تعديلات جوهرية عليه.
استقالة الوزير ونهاية مرحلة
في ذروة هذه الأزمة جاءت استقالة وزير الصحة كريستيان دوبيه Christian Dubé لتشكل منعطفا سياسيا حاسما. وتم تعيين سونيا لابل وزيرة جديدة للصحة في مرحلة دقيقة. الاستقالة فسرت كنتيجة لانعدام الثقة داخل الأوساط الطبية ورفض الوزير للاتفاق الذي اعتبره تراجعا عن مشروعه. توقيت الاستقالة في عام انتخابي زاد من ارتباك الحكومة وفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول مستقبل الإصلاح الصحي ومسار العلاقة بين الدولة والأطباء.

