جود نيوز الكندية

خواطر مسافر إلى النور (٢٣٦)

المزمور الثاني: حوار كوني بالنبوة على فم داود... بين الله الواحد الثالوث والإنسان المخلوق

-

”1 لماذا ارتجت الأمم، وتَفكَّر الشعوب في الباطل 2 قام ملوك الأرض، وتآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه، قائلين 3 لنقطع قيودهما، ولنطرح عنا ربطهما“

- كان الحوار بعدما تغرَّب البشر عن خالقهم بسقوط آدم فأصبحت طبيعة الإنسان غريبة عن قداسة الله التي خلقه عليها. إلى الدرجة أن الحياة بمقتضي القداسة في منظور البشر صارت مثل قيود وأغلال ونير ثقيل.

- وصار التنظير والتفنن في التحلل من الارتباط بالله وقداسته سمة علو الفكر والمقام والمستوي الحضاري عند البشر، يختص بها الكثير من ”ملوك“ الفكر والفلسفة والفن والعلوم ، فترتًّج البشرية إعجاباً وتفكراً بذلك في شبه مؤامرة كونية ضد الآب الذي خلقهم علي صورة ابنه في الروح القدس.

" 4 الساكن في السموات يضحك بهم، والرب يستهزئ بهم، 5 حينئذ يكلمهم بغضبه وبرجزه يرجفهم"

لذلك يكشف الوحي الإلهي بالنبوة في بقية المزمور موقف الله تجاه تلك المؤامرة.

لكي يُطمئِّن المؤمنين بأن الله صالح ولا رادٍ لكمال تدبيره من جهتهم.

فكانت الآية (٤) ليست استخفافاً بقدر ما هي تعبير عن ميزان القوي بين مؤامرة الشيطان المستمرة لغواية الإنسان منذ آدم، وبين تدبير الله الصالح في خلق الانسان.

6 أنا (الله الآب) أقمتُ منه (ابن الله الوحيد الجنس) ملِكاً علي صهيون جبل قدسه“

هنا أستعلان الوحي الإلهي بالنبوة ومن وراء الزمن عن تدبير الآب من خلال الأبن بالروح القدس لخلاص الإنسان من موت الخطية.

ولما ”جاء ملء الزمان“ لإتمام هذا الخلاص أكَّد العهد الجديد أن ” ليس أسم آخر تحت السماء قد أُعطِيَ بين الناس به ينبغي أن نخلص“ ( أعمال١٢:٤)

” 7 لأكرز بأمر الرب (بخلاص الإنسان). الرب (الآب) قال لي (أنا الابن الأزلي للآب) : أنت ابني وأنا اليوم ولدتُك"

الوحي الإلهي يتكلم هنا بفم المسيح ابن الله الوحيد الجنس.و في رأيي أن عبارة ” أنا اليوم ولدتك“ هنا هي عن الولادة الأزلية للأبن مِن الآب . كما بقانون الإيمان المسيحي عن ولادة الأبن الأزلية من الآب ”مولود غير مخلوق". وعبارة ” أنا اليوم ولدتك“ دلالة لسرمدية ولادة الابن من الآب . فالولادة أزلية بلا بداية ولا نهاية ، بل ”اليوم“ - سواء زمن أو خارج الزمن - الذي فيه الله الآب موجود فإن الأبن مولودٌ منه بالضرورة .

" 8 (الآب للأبن) أسألني فأعطيك الأمم ميراثك وسلطانك إلى أقاصي الأرض لترعاهم".

الوحي الإلهي يعود بنا على لسان الآب إلى أساسات تدبير الخلق قبل السقوط، وامتداده في تدبير الخلاص. الآب خلق الإنسان والخليقة كلها بالأبن في الروح القدس. وبالسقوط تغرب الإنسان عن قداسة الله.

و رغم تشوه الإنسان عن الصورة الإلهية المخلوق عليها، إلا أنه لم يفقدها بسبب أصل الصورة، صورة الابن المطبوع عليها وجود كل إنسان، فاستمر آدم وذريته هم ”ميراث“ الله الآب في الابن بالروح القدس .

- نقرأ في عبرانين ١ أن الله الآب جعل الأبن وارثاً لكل شيء. أولاً بخلق الإنسان على صورة الابن. ثم باسترداد الخليقة الساقطة وتجديدها علي أصل صورة الله في المسيح ابن الله الذي من أجل هذا تجسد في ملء الزمان : "1 الله، بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديما، بأنواع وطرق كثيرة، 2 كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه، الذي جعله وارثا لكل شيء، الذي به أيضا عمل العالمين،3 الذي، وهو بهاء مجده، ورسم جوهره، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته“

هذا ما استعلنه وأكده الرب يسوع المسيح في صلاته إلي الآب "أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا، لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم."(يو 17: 24).



الرؤية المسيحية عن ”غضب الله“ بحسب الوحي الإلهي في المزمور الثاني :

يتوجه الوحي الإلهي بتحذير البشرية وخاصةً المعتَبَرين فاهمين فيهم "أيها الملوك ويا جميع قضاة الأرض“ ليفهموا ما سبق شرحه ليصير سبباً أن يتأدبوا وتأخذهم الخشية والرعدة من جرَّاء ما وقعوا فيه من خديعة الشر. وبالتالي يؤول ذلك الي التأدب بالتوبة " إلزموا الأدب” مدفوعين باتكال الثقة في قبوله لرجوعهم " طوبي لجميع المتكلين عليه".

ويكشف الوحي الإلهي عن موقف الله من الذين يتمادون في العناد بسبب انعدام رؤيتهم للحق الإلهي. 5” يكلمهم بغضبه وبرجزه يرجفهم" كصاحب السلطان والقدرة " 9 ترعاهم بقضيب من حديد" ثم يأتي بالعبارة المرعبة " ومثل آنية الفخار تسحقهم"

- إن من الجهل بل ومن الظلم أن يفهم القارئ بعد كل هذا الشرح أعلاه أن غضب الله يؤول إلى فناء خليقته بسبب شرهم الذي انحدروا إليه بغواية الشيطان عدو الخير. لأنه ببساطة لو كان هكذا غضب الله، لكان الله قد انهي على خليقته بالفناء من لحظة سقوط آدم.

- لقد توصلت العلوم النفسية إلى أن تغيير الطبائع المريضة لشخصية الإنسان التي تحجر فكره وسلوكه عليها، لابد أن تجوز مرحلة Crisis تتفكك فيها التركيبة المريضة للشخصية لكي يسهل إعادة التحامها على أساسات سليمة.

وقد كشف الوحي الإلهي عن أصول خلاص / شفاء الله لطبيعة الإنسان التي تشوهت بالسقوط في مثل الفخَّاري :

فبأمرٍ إلهي نزل ارميا النبي إلى وادٍ منخفض ليلتقي هناك بفخاري، لكي يعلن للشعب كيف أن حياتهم في يد فخَّاري سماوي حكيم، قادر أن يُخرج من الطين إناءً للكرامة، حتى وإن تحجروا في خطاياهم وعنادهم ، فإن الله يتركهم لعنادهم واختيارهم الشرير، والنتيجة أن يسحقهم الشيطان بموت الخطية كما في وصف الرب الإله حالهم في قوله للحية / الشيطان في سفر التكوين ” فقال الرب الإله للحية: «لأنك فعلت هذا، ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية. على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل أيام حياتك.15 وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك (الشيطان ) ونسلها ( المسيح ابن الله). هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه» (تكوين ٣).

وانسحق البشر تحت سلطان موت الخطية وصارت البشرية تتحرق في طلب الخلاص علي مدار عصورها حتي رأينا الوعي يستيقظ فيهم ويزول العمي عن عيونهم مثلما حدث في صورة مجسَّمة في حالة شاول عندما تقابل مع الرب وأبصر نوره العظيم.

هذا الوصف ليس ببعيد عن سحق الآنية الفخارية التي صارت آنية للهوان بخلاف ما أرادها الفخاري آنيةً للكرامة.

فإن الرب الفخاري الأعظم لم يتخلى عن الجبلة التي جبلها من طين لتكون آنية للكرامة. فالرب الإله لم يتخلى عن جبلته ويلقها في ظلمات العدم عندما أختارت الهوان، بل جمع سحقها وأعاد تجديدها لتكون آنية للكرامة ” ونسل المرأة ( المسيح ابن الله المتجسد) يسحق رأس الحية/الشيطان“ .

هذا هو تجديد الخليقة للإنسان في المسيح يسوع ابن الله وابن الإنسان.

ونري أنه كما حدث مع أرميا في نبوة الفخاري، أن الكثير من البشر عِوض التجاوب مع ارميا نجدهم فكروا جديًا في الخلاص منه كي لا يسمعوا بعد كلمة توبيخ.

ولكن الله الخالق لن يرجع عن تدبير خلاص الإنسان لأن "الله محبة" ومشيئته لا رادٍ لها لأنه الصالح وله القوة والمجد إلى الأبد آمين...والسُبح لله.