دردشة…بالعربي الفصيح:
اللجوء إلى الظلمة…

في مقالي السابق تحدثت عن سيكولوجية "النفخ في الزبادي"، وكيف أن هذه العبارة تعبر عن عدم الأمان الداخلي الذي يقود المرء للعيش دوماً في قلق مزمن من أحداث المستقبل أو من رد أفعال الآخرين! فالإحساس بعدم الأمان شعور مخيف، وسببه هو الخوف من المجهول. ولماذا نخاف من المجهول؟ بسبب عدم ثقتنا في حاضرنا؛ فالثقة هي أساس كل شيء متزن في الحياة؛ والثقة في الحاضر تحمينا نفسياً من مخاوف المستقبل.
أما الخوف هو مصدر التردد والريب، وللأسف، يستغله القادة غير المتزنين لإرهاب مرؤوسيهم في شتى مجالات الحياة. وبسبب خوفنا من المجتمع، قد نزيف بعض الحقائق أو نصرح بأنصافها فقط لحماية أنفسنا. وهذا ما أسميه "اللجوء إلى الظلمة"، أو بمعنى آخر…الهروب من النور!
هذا المفهوم العام ينطبق على مجالات حياتية كثيرة، لكني ما كنت أحب أن أصف به حال الكنيسة القبطية اليوم بناءً على عدة مواقف يطول شرحها! فبسبب الخوف من بعض رئاسات الكنيسة، على مدى العقود الماضية، لجأ الشعب القبطي إلى الإيمان السطحي بدلاً من الدخول إلى عمق الإيمان وهي دعوة كتابية من السيد المسيح نفسه ارتكز عليها القديس بولس الرسول والتلاميذ والرسل أجمعون؛ كما لجأوا إلى التمسك الشكلي بالتقليد الكنسي (فبات تقليداً اعمى) والغيبيات وما شابه ذلك!
هذا ليس افتراء! فقد أصبحنا نرى خداماً يفضلون قراءة رسائل العهد الجديد القصيرة، لمجرد إنها بسيطة وتعالج سلوكيات ظاهرة (متجاهلين جوانبهم الروحية العميقة) على قراءة رسائل مثل رومية أو العبرانيين (أو رسائل بولس الطويلة بشكل عام) لتفادي المفاهيم اللاهوتية صعبة الفهم! أو يفضلون قراءة الأناجيل الثلاثة الأولى على قراءة إنجيل يوحنا "اللاهوتي" الذي يشرح تجسد الكلمة وأسبابه وعلاقة الكلمة بالآب. بل قرر البعض أيضاً ألا يلتفت إلى العهد القديم إطلاقاً بسبب العنف والحروب، حتى لا يتم في ذهنهم مقارنة المسيحية بالأديان التي تحث على العنف، وكأن عدم قراءتهم ستحمي المسيحية من القيل والقال!
وهنا أنتقد مبدأ التفضيل بشكل عام فيما يخص الكتاب المقدس؛ لأنه متكامل ولا يجب الانتقاص منه على حسب الرغبة؛ بل وأكثر من ذلك، أصبح هناك تفضيل لشرح وتداول قصص المعجزات على حساب شرح كلمة الله وصورته التي خلقنا عليها، بحجة أن الأطفال يحبونها!
قد ينكر البعض أن الدافع هو الخوف لكن في الحقيقة التاريخية تشير إلى أن الخوف وعدم الأمان هما اللذان دفعا الكنيسة لتسليم هذا التعليم غير السليم! الخوف هو ما يقود الجميع -مع الأسف- لأسباب مختلفة! قد يكون أسلوب التعتيم أو الكلام المنمق وسيلتنا، حتى لا نتهم بالتحريف أو الكفر ممن هم خارج الكنيسة، أو بالهرطقة ممن هم داخلها! لذا انتهجت الأغلبية القبطية هذه العقلية الهشة المستترة: "ولماذا المخاطرة إذن؟ لنهتم فقط بالقشور البسيطة التي لا تؤذي أحداً ولا خوف من العمق فيها؛ لندع الايمانيات العميقة والآراء القوية لأصحاب المشاكل والتصادم. "فمن خاف سلم"
هذا تماماً ما كان يحدث في "السنهدريم" قديماً، أو في الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى! لكن هذا الهدوء شبه المؤقت لن يدوم إلى الأبد، بل أشعر أنه قنبلة موقوتة؛ تماماً كما حدث للسنهدريم في وجه المسيح، أو للكنيسة الكاثوليكية لصد حركات الإصلاح. ونحن لا نتمنى أن يحدث هذا الانقسام بسبب تصلب فكرنا.
يا أعزائي، الله كائن أزلي، لا نستطيع استيعاب أحكامه بتلك السطحية والبساطة المتعمدة! نعم علينا قبول الكلمة والإيمان ببساطة دون تشكك في قوة الروح القدس، لكن يجب علينا أيضاً إدراك المفاهيم اللاهوتية المشروحة في كتابات بولس ويوحنا وتطبيقها في حياتنا؛ لكي نكون دائماً مستعدين لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا (١ بطرس ٣: ١٥)
لقد قال المتنيح الأنبا ابيفانيوس في أحد محاضراته الإكليريكية: " يجب أن نفرق بين الرأي والهرطقة" فالرأي قد يختلف في شرح أو تفسير نقاط فرعية غير عقائدية - وقد اختلف آباء الكنيسة في العديد منها - أما الهرطقة فهي كلام يتعارض مع صميم الإيمان والعقيدة!
وقد يسأل أحدهم "ما هو صميم الإيمان والعقيدة؟" ببساطة هو ما نصرح به في "قانون الإيمان". وبالطبع أي توجه يشكك في عمل الروح القدس في العالم والذي يعمل في الكنيسة (جسد المسيح) على الدوام؛ وهذا هو التجديف على الروح القدس الذي حذرنا منه إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح!
بناءً على ذلك، لابد أن نعود إلى النور ونسلط الضوء - بما لا يتعارض مع العقيدة - على بعض المفاهيم التي قد تكون غير واضحة أو "الممنوع" نقاشها بسبب الخوف؛ وسنرى كيف أن هذا الاتجاه سيغير حياة أبناء الله ويثبتها على قواعد إيمانية قوية راسخة.
في المقال القادم، سنشرح قضية الألم والموت ونتبادل الحديث عن بعض المفاهيم الخاطئة في هذا الموضوع…فانتظرونا.

