”محدش عاقل يلعب مع الأسد”... استراتيجية كندا للتعامل مع ضغوط ترامب

تعلمنا في الأمثال الشعبية وخبرات السابقين أنه «محدش عاقل يلعب مع الأسد»، وهذا تشبيه مجازي على العقلية التجارية الربحية التي يتعامل بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الجميع، بما في ذلك ما لُقّب تاريخيًا ومجازًا بـ«الأخ غير الشقيق»، وهي كندا، التي تربطها علاقة تاريخية واستراتيجية متميزة مقارنة بأي دولة أخرى ترتبط بعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.
عقلية التاجر الساعي لتحقيق الربح والمستخدم للضغوط
كما هو واضح للجميع أن ترامب تاجر يبحث عن الربح في علاقاته مع جميع الدول بلا تمييز، سواء كانت أشقاء وأصدقاء مثل كندا وبريطانيا وأوروبا، أو أعداء مثل الصين وإيران وغيرها. الرجل نهجه لم يتغير، إذ تتجه بوصلة سلوكياته دائمًا نحو تحقيق الربح والمكسب والمصلحة. لكنه، رغم سلوكياته وقراراته الصعبة والجدلية، رجل ذكي؛ لأنه عندما يدرك أنه يقف أمام منافس يمتلك من إمكانات المناورة والتفاوض، يكون ترامب على استعداد للتراجع وتقديم تنازلات، وقد ظهر هذا في مرات عديدة مع أوروبا في إطار حربه التجارية والرسوم الجمركية معها، وكذلك مع مصر والرئيس السيسي فيما يتعلق بإنهاء الحرب في غزة بين إسرائيل وحماس، بوساطة مصرية بالأساس.
عدم الاستخفاف بترامب وجدية التعامل مع سلوكياته وقراراته
من يريد تحقيق مكاسب أمام ترامب يجب أن يتعامل معه بجدية، بعيدًا عن الاستخفاف الإعلامي الذي يتحدث به البعض عنه، فعليًا وواقعيًا، كأقوى رئيس دولة في النظام العالمي، وهو الرئيس الوحيد القادر على اتخاذ قرارات قد تواجه بالنقد والرفض والإدانة من غالبية دول العالم في الشرق والغرب، لكن لا يقوى ولا يجرؤ أحد على التصدي له على أرض الواقع والوصول إلى نقطة الصدام المباشر.
ولننظر ونحلل الموقف الدولي تجاه ما فعله ترامب في فنزويلا، وهو ما يتعارض مع القوانين الدولية ومواثيق المنظمات الدولية، كالأمم المتحدة وغيرها، من انتهاك سيادة الدول والتدخل في شؤونها الداخلية، بل والقيام بغزوها بصورة عسكرية نوعية. ورغم كل هذا، صمت النظام الدولي بصورة مخزية أمام هذا الرئيس المختلف في عقليته وقراراته وسياساته.
ولكن لا أحد ينكر أنه أعاد أمريكا بقوة لقيادة النظام الدولي وفرض المصالح الأمريكية على الجميع، وهو ما يزيد من شعبيته داخل المجتمع الأمريكي، وإن كانت موجات الاستياء لا تقل تجاه شخصه وسياساته في الكثير من دول العالم.
سوء اختيار كندا للحلفاء لمواجهة ترامب
بعد فنزويلا، يحاول ترامب الحصول على ثروات جرينلاند وكندا على السواء. في جرينلاند، نجحت الدنمارك مع الدول الأوروبية في التكتل، لأن «الكثرة تغلب الشجاعة»، في تهديد المصالح الأمريكية، عندما هددت أوروبا مجتمعة باستخدام نفس سلاح ترامب في الضغوط، وهو التهديد بفرض رسوم جمركية مجتمعة على أمريكا تزيد على 99 مليار دولار. وهذه هي اللغة التي يتحدثها ترامب ويفهمها جيدًا: لغة المال والضغط والتأثير المباشر على الاقتصاد الأمريكي، الذي يشكل الحياة اليومية للأمريكيين.
أما بالنسبة لكندا، فعلى ما يبدو أن الليبراليين أحيانًا ما يكونون «حنجوريين»، يطلقون خطابات، لكن أقدامهم ربما لا تكون ثابتة على أرض الواقع. ففي الوقت الذي أعلن فيه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن من لن يكون على مائدة المفاوضات سيكون ضمن قائمة الطعام، في دلالة رمزية على أنه سيكون فريسة، بدأت بعض الأصوات الحنجورية للاستهلاك المحلي تحيي الرجل على تصريحاته العنترية. إلا أن علاقات القوة على أرض الواقع تتطلب اتباع استراتيجية أكثر واقعية، مثلما فعلت أوروبا.
دوائر تحرك كندا الفعالة لمواجهة ضغوط ترامب
كندا لا تتحرك في تجمع مثل الدول الأوروبية، بما في ذلك مجموعة دول الكومنولث التي تترأسها بريطانيا، لأنها مجموعة دول أفريقية وآسيوية وأسترالية ليست كلها على نفس الدرجة من القوة والتفاوض التجاري والاقتصادي والسياسي والعسكري مثل دول الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن أن بريطانيا، التي تترأس هذا التجمع، ليست من القوة التفاوضية التي تقف أمام ترامب والولايات المتحدة حال الخلاف والصراع، مثلما تفعل بروكسل ودول الاتحاد الأوروبي.
كان تصرفًا ذكيًا من كارني أن يبحث عن شريك تجاري عملاق يثير غيرة الولايات المتحدة الأمريكية، وليس غضبها. ولكن الاختيار لم يكن موفقًا في زيارة كارني للصين؛ لأنها العدو اللدود والرئيسي للولايات المتحدة وترامب في النظام الاقتصادي العالمي. ولذا، بعد توقيع اتفاقيات استيراد السيارات الصينية الكهربائية وغيرها من الاتفاقيات، خرج ترامب مهددًا صراحة كارني وكندا بفرض حصار وحرب اقتصادية على كندا، إن تتحمل تبعاتها. وكندا لن تستطيع تحمل أي حرب اقتصادية وتجارية مع أمريكا.
أين استراتيجية كندا للتعامل مع استفزازات وضغوط ترامب؟
لا نقول بالرضوخ لضغوط ترامب، لأن هذا ما يسعى إليه ترامب، ولكن نقول بأهمية اختيار وانتقاء الحلفاء الذين تتكتل معهم لمواجهة ترامب. لماذا لم تفكر في المكسيك كقوة يُعتد بها في أمريكا الشمالية؟ ولماذا لم تطور علاقات كندا التجارية بصورة أكبر وأوثق مع دول الاتحاد الأوروبي؟ خاصة وأن كليهما حليف مستقر تاريخيًا للولايات المتحدة، ويمتلك قدرة تفاوضية وضاغطة على الولايات المتحدة بقبول نسبي من الرأي العام الأمريكي، أكثر من الصين.
ولماذا لم تسعَ للتحالف في دوائر متنوعة تجمع ما بين المكسيك ودول الاتحاد الأوروبي ودول آسيوية أخرى أقل عداوة من الصين مع أمريكا، مثل الهند التي تتمتع جاليتها بوضع خاص للغاية، حيث يُعد الكنديون من أصول هندية من أكبر التكوينات في المجتمع الكندي المهاجر، وكثيرًا ما خرج منهم وزراء في أماكن حساسة في الوزارات الفيدرالية.
التفاوض مع ترامب يحتاج إلى قدر من العقلية التجارية غير السياسية، لأن الشوفينية السياسية سوف تفقدك أي موارد أو بدائل تفاوضية أمام ترامب، الذي يتعامل مع الجميع بعقلية التاجر، الذي يبخس سعر البضاعة ويفرض بقوته شراءها والحصول عليها، سواء رضيت أم لم ترضَ.
لا توجد استراتيجية كندية واضحة للتعامل مع ضغوط ترامب، وآخرها القيود الخاصة بصناعة الطيران والرخص المتعلقة بها، حيث أعلنت وزيرة الصناعة والتنمية الاقتصادية.
من المهم ألا تستفز كندا الرئيس ترامب، الذي لا يعرف أحد مدى عقلانية ورشادة قراراته مقارنة بسابقيه من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية. ولك أن تتخيل أن وسائل الإعلام الكندية، وتحديدًا في إقليم كيبيك، استمرت لفترة من الوقت تركز على موضوع أن الانضمام للجيش الكندي اختياري، ولكن ماذا سيحدث لو قام ترامب والجيش الأمريكي بغزو كندا؟ لا أحد من الكنديين في كيبيك يستطيع أن يتخيل أنه سيتم استدعاء أبنائه للجيش الكندي لمواجهة أي غزو للأراضي الكندية. وبالطبع، وهذا أمر افتراضي، لن يقف أحد مكتوف الأيدي حال غياب رشادة ترامب وقيامه بغزو كندا، مثلما تتحدث أسوأ سيناريوهات الصراع بين كندا وأمريكا بسبب رغبة ترامب القوية في السيطرة على موارد كندا المتنوعة.

