دردشة…بالعربي الفصيح:
الموت.. وأشياء أخرى!

كما استعرضنا في المقالين السابقين، "سيكولوجية النفخ في الزبادي" و "اللجوء إلى الظلمة"، خطورة أسلوب تعتيم الحقائق والترهيب من إعمال العقل، سيتناول هذا المقال إشكالية الشر والألم وقضية الموت الجسدي في العالم من منظور مسيحي، موضحاً ارتباط هذه الظواهر بالإرادة الإلهية، والاختيار الإنساني، وحالة الطبيعة.
للأسف، فقد تأثرت مفاهيمنا بثقافات متباينة وفهم قاصر لله في العهد القديم، وهو الفهم الذي جاء المسيح ليكمله؛ إذ يشهد يوحنا الحبيب قائلًا: "اللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ".
١. الوضع الأصلي: السيادة الإلهية وحرية الاختيار
في البدء، كان الكون بأسره تحت سيادة الله المطلقة. خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، ومنحه روحه القدوس، مما وهبه مكانة سامية جعلت الكون كله مسخراً لخدمته. كان الإنسان خاضعاً لسلطان الله المباشر، وفي الوقت ذاته، كان سيداً على الطبيعة المادية؛ فلا ألم، ولا مرض، ولا موت، لأن الفساد لم يكن قد تسلل إلى الأرض بعد.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن سلطان الله، على كماله وعظمته، قد حدده الخالق بإرادته عبر "قانون الحرية" الذي منحه للإنسان، احتراماً لكرامة الصنيعة الإلهية. كان الخيار أمام الإنسان جلياً: إما البقاء في كنف الطاعة الإلهية والسيادة على الطبيعة، أو اختيار الاستقلال وتأليه الذات.
٢. الاختيار الخاطئ: الكبرياء والتبعات المترتبة
جاءت الغواية من الشرير (إبليس) الذي أوهم البشر بقدرتهم على ممارسة السيادة المطلقة بعيداً عن الطاعة الإلهية. وعندما سعى الإنسان ليكون مساوياً لله، سقط من رفعته إلى مكانة أدنى بكثير مما كان عليها. هذا الاختيار أحدث تحولاً جذرياً:
* تحول الإنسان من السيادة على الطبيعة والشيطان إلى الخضوع لهما.
* ظل السلطان الإلهي قائماً، لكنه بات محترماً لقانون الحرية؛ فالله لا يتدخل قسراً لإلغاء نتائج اختيار الإنسان الحر.
* الأكل من الشجرة أفسد الطبيعة الداخلية للإنسان؛ أي أن الإنسان "لعن نفسه بنفسه". فالله لم يلعن الإنسان، بل كانت كلماته لآدم وحواء بعد السقوط إعلاناً للنتائج الطبيعية والمصيرية لاختيارهما، وليست أحكاماً باللعنة منه.
٣. لعنة الأرض: خضوع الطبيعة للقوانين المختلة
لم يقتصر الأمر على الإنسان وحده، بل تأثرت الطبيعة بخطيئة آدم لتصبح مرآة لفساده وحداً لسلطانه. لقد لُعنت الأرض بسبب الإنسان، بينما انصبت اللعنة المباشرة على الحية:
* اختلال القوانين: تحولت قوانين الطبيعة (الفيزياء، الوراثة، الكيمياء، البيولوجيا) من نظام سليم إلى نظام يعتريه النقص والخلل، مما جعل الإنسان عرضة للإصابة والتشوه والاعتلال.
* الشرور الكونية: ظهرت الكوارث الطبيعية كاستجابة من الطبيعة لمحاولة الحفاظ على توازنها في ظل فساد الإنسان.
* سطوة الموت: ظهر الموت الجسدي كنتيجة حتمية لفقدان "نسمة الحياة" (الروح القدس)، فالخطيئة المائتة لا تنسجم مع طبيعة الإنسان الخالدة قبل السقوط.
* سلطان إبليس: بات الإنسان خاضعاً لقوانين الطبيعة المختلة ولحسد الشيطان، الذي قد يستغل هذه القوانين لإهلاك البشر.
إن الله، بعلمه السابق، يعلم ساعة كل إنسان، لكنه ليس هو من يحددها عمداً؛ فالموت يتحدد وفق قوانين الطبيعة، و قوة احتمال الجسد، والظروف الصحية والسلوكية. وما قولنا "أمر ربنا" أو "هذا عمره" إلا تعبير مجازي، كون الأمر يسير ضمن الإطار الكوني الذي سمح الله ببقائه احتراماً لحرية الإنسان.
وبناءً عليه، فإن الكوارث الطبيعية ليست غضباً إلهياً مباشراً على أفراد بعينهم، بل هي نتاج "القانون العام المختل"، وهو ما أكده المسيح حين تحدث عن ضحايا برج سلوام، موضحاً أنهم لم يكونوا أكثر خطيئة من غيرهم.
٤. أين يد الله في كل هذا؟
قد يتساءل البعض: ما هو دور الله إذن؟
الله هو "ضابط الكل"، ودوره يتجلى في ضبط المخلوقات لئلا تتجاوز الحدود المرسومة، وفي تحويل الشر (سواء الصادر من البشر أو الشيطان) إلى خير. كما تحول قتل استفانوس إلى سبب لانتشار الإيمان، وكما حدث في قصة يوسف الصديق وأيوب البار.
يستخدم الله هذا الشر للوصول في النهاية إلى خير للذين يحبونه. أما "كيف" يتم ذلك، فهو أمر يفوق الإدراك البشري، لأن أحكامه "فوق الفحص". فالموت شر لأنه نقيض الحياة الأبدية التي قدمها المسيح، و بما أن الله لا يصنع الشر، إذن هو لا يُميت، بل يسمح للإطار الناقص (الناتج عن الخطيئة) أن يعمل، ثم يتدخل بسلطانه ليحول تلك النتائج إلى خلاص وخير لكنيسته.
لكن لماذا كان الموت هو نتيجة السقوط؟
لاهوتياً: الإنسان خُلق من العدم وبنفحة الروح صار غير مائت، وبما أنه رفض روح الله (مصدر الحياة) بإرادته، فقد عاد إلى حالة العدم.
أما من منظور الرحمة: الموت هو وسيلة لعدم استشراء الشر وتخليده في العالم.
٥. سلطان المسيح فوق الفوضى
يتجلى الدليل القاطع على سلطان الله المطلق في شخص يسوع المسيح، الذي بسط سيطرته على جوانب السقوط الأربعة:
* على قوانين الطبيعة: بمشيه فوق الماء.
* على الكوارث: بإنتهاره الريح والعاصفة.
* على الشيطان: بإخراج الشياطين بكلمة.
* على الموت: بقيامته المجيدة من بين الأموات.
فمن غير المنطقي أن يكون الله الذي انتصر على كل هذه الشرور هو المسبب لها، و إلا اعتبرناها تمثيلية سخيفة و حاشا لله من هذا الادعاء.
الخلاصة أن الله ليس السبب المباشر للشر أو الموت، بل هما نتاج الاختيار الإنساني الخاطئ الذي أخضع الخليقة لقوانين الفساد.
في العدد القادم سنشرح مفهوم الغضب الإلهي في الكتاب المقدس، فتابعونا.

