جود نيوز الكندية

بعد مقتل خامنئي: هل يسقط نظام الحكم في إيران بعد ضربات أمريكا وإسرائيل العسكرية؟

-

تعتبر الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران نقطة تحول محورية قد تؤثر بشكل كبير على ميزان القوى في منطقة الشرق الأوسط. تاريخياً. تعتبر إيران مركز اهتمام عالمي في السنوات الأخيرة بسبب الصراعات المتزايدة حول برنامجها النووي ودورها الإقليمي. فالصراع التاريخي بين إيران والولايات المتحدة وخصومها الإقليميين، بما في ذلك إسرائيل، يأتي في سياق التوترات المستمرة منذ عقود. يعكس الوضع الحالي في الشرق الأوسط حالة من التوتر المعقدة التي تشمل مجموعة من العوامل السياسية والعسكرية والاقتصادية. تأتي العلاقات بين إيران والدول المجاورة ضمن السياق الأوسع لهذه التوترات، حيث تلعب إيران دوراً مهماً في تحريك الصراعات الإقليمية.

تأثر أسعار أسواق الطاقة والنفط

يؤثر هذا التوتر الإقليمي على أسعار النفط والأسواق العالمية، حيث يعتبر ارتفاع أسعار النفط نتيجة للصراعات المسلحة أحد النتائج المباشرة. علاوة على ذلك، يؤدي الوضع الحالي إلى تزايد الانقسامات السياسية داخل بعض الدول، الأمر الذي قد يهدد استقرارها على المدى الطويل.

تعتبر التوترات المتزايدة بين إيران والدول الغربية، خاصة في ظل الضربات الأمريكية والإسرائيلية، من القضايا التي تثير اهتمام القوى العالمية الكبرى. إذ دخلت الحرب العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مرحلة غير مسبوقة، عقب الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في ضربات أمريكية إسرائيلية، وهو حدث يمثل لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979. لم يعد الأمر مجرد مواجهة غير مباشرة عبر ساحات إقليمية، بل تحول إلى صدام عسكري مفتوح يهدد بإعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوى في الشرق الأوسط. مع مراعاة أن توقيت كتابة المقال الأول من شهر مارس، مع مراعاة سرعة تطورات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط.

في أعقاب الضربات، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن العمليات دخلت مرحلة جديدة من التصعيد المباشر ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. الرسالة كانت واضحة: طهران تعتبر ما جرى استهدافا لرمز السيادة والقيادة العليا، ولن تكتفي برد رمزي أو محدود.

التصعيد لم يقتصر على البيانات. فقد نشرت إيران مقاطع مصورة قالت إنها توثق إسقاط طائرة مسيرة أمريكية من طراز MQ-9 Reaper بواسطة منظومة دفاع جوي أرض جو لم يكشف عن نوعها. وتعد هذه الطائرة من بين الأكثر تطورا في الترسانة الأمريكية، وتصل كلفة الوحدة مع أنظمة الدعم إلى عشرات الملايين من الدولارات، ما يجعل إسقاطها ذا دلالة عسكرية ورمزية في آن واحد.

على الجبهة المقابلة، أعلن الجيش الإسرائيلي مشاركة نحو 200 طائرة مقاتلة في غارات واسعة النطاق على أهداف داخل إيران، واصفا العملية بأنها الأكبر في تاريخ إسرائيل. كما أفادت تقارير بأن مقاتلات إف 35 شاركت في اعتراض الطائرات الإيرانية التي حاولت التصدي للهجمات. بهذا المشهد، انتقلت المواجهة من حرب ظل إلى مواجهة جوية وصاروخية مباشرة بين قوى إقليمية ودولية كبرى

ارتباك داخلي وصراع على تماسك الدولة الإيرانية

في الداخل الإيراني، حملت الساعات الأولى بعد مقتل خامنئي مؤشرات على محاولة سريعة لاحتواء الفراغ. فقد أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بدء عمل مجلس قيادة مؤقت، مشددا على أن مؤسسات الدولة مستمرة في أداء مهامها، وأن هيكل النظام لم ينهار رغم التطورات الدراماتيكية.

غير أن المسألة تتجاوز البعد الإجرائي. فالنظام الإيراني، منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، قام على معادلة تجمع بين مؤسسات جمهورية منتخبة وأخرى دينية غير منتخبة، يتصدرها منصب الولي الفقيه. ومع غياب رأس هذه المعادلة، ولو مؤقتا، يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع هذا النظام الهجين الحفاظ على توازنه في ظل ضغوط عسكرية خارجية واختراقات أمنية داخلية؟

الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد أضاف بعدا آخر للأزمة حين تحدث عن اختراق خطير داخل المنظومة الاستخباراتية، مدعيا أن وحدة كانت مكلفة بملاحقة جواسيس جهاز الموساد كانت في الواقع بقيادة عميل يعمل لصالحه. ورغم صعوبة التحقق من هذه الروايات في خضم الحرب، فإن مجرد تداولها يعكس حالة من انعدام الثقة والقلق داخل بنية الدولة.

تاريخيا، عرفت إيران لحظات اضطراب مفصلية، من الثورة الدستورية عام 1906 إلى الانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، ثم حربها الطويلة مع العراق بين عامي 1980 و1988. في كل مرة، أعادت الدولة إنتاج نفسها بصورة أكثر مركزية وأشد ارتباطا بالأجهزة الأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها الحرس الثوري. لكن التحدي الراهن يختلف، لأنه يجمع بين استهداف القيادة العليا وضرب البنية التحتية وفتح جبهات متعددة في وقت واحد.

الخليج بين القواعد الأمريكية وحدود السيادة وضربات إيران

التصعيد العسكري يضع دول الخليج في موقع بالغ الحساسية. فالوجود العسكري الأمريكي في عدد من هذه الدول يجعل أراضيها منطلقا أو قاعدة دعم لعمليات عسكرية ضد إيران. ورغم حرص العواصم الخليجية على تجنب الانجرار المباشر إلى الحرب، فإن قدرتها على منع استخدام القواعد الأمريكية تبقى محدودة بحكم الاتفاقات الأمنية وطبيعة الترتيبات الدفاعية القائمة منذ عقود.

إيران، من جهتها، تعتبر أن القواعد الأمريكية في المنطقة ليست أراض تابعة لدولها بقدر ما هي امتداد للنفوذ الأمريكي. هذا التصور يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يدفع طهران إلى توسيع نطاق الاستهداف ليشمل منشآت عسكرية في الخليج، ما يهدد البنية الاقتصادية وطرق إمداد الطاقة العالمية.

تأثر صناعة واقتصاديات الطيران الدولي والإقليمي

انعكاسات التصعيد ظهرت سريعا في قطاع الطيران المدني. فقد ألغيت مئات الرحلات الجوية المتجهة إلى الشرق الأوسط بعد إغلاق أجواء عدة دول. ووفقا لبيانات شركات تحليل الطيران، بلغت نسبة الإلغاءات في أحد الأيام نحو ربع الرحلات المقررة تقريبا، فيما تجاوز إجمالي الرحلات الملغاة خلال يومين أكثر من 1800 رحلة. شركات الطيران الخليجية كانت الأكثر تضررا بحكم دورها كمراكز ربط عالمية لآلاف المسافرين يوميا.

هذا الاضطراب لا يعكس مجرد أزمة لوجستية، بل يكشف هشاشة البنية الاقتصادية الإقليمية أمام أي تصعيد عسكري واسع. فأسواق الطاقة، وخطوط الملاحة، وسلاسل الإمداد، كلها عناصر قد تتأثر سلبا إذا تحولت المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة لفترة طويلة.

أدوار إقليمية ومخاطر ما بعد الحرب وسيناريوهات الفوضى

إقليميا، تسهم أدوار إيران في العراق وسوريا ولبنان في تعميق المخاوف الغربية والعربية، بينما تنظر طهران إلى وجودها هناك باعتباره جزءا من استراتيجيتها الدفاعية. هذا التشابك ينعكس على أسواق الطاقة، إذ يؤدي أي تصعيد إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار النفط، ما يضغط على الاقتصادات الأوروبية المعتمدة على الاستقرار في طرق الملاحة وإمدادات الطاقة.

في خضم هذا المشهد، يطرح سؤال استراتيجي أعمق: ماذا لو أدى التصعيد إلى إسقاط النظام الإيراني عبر تدخل عسكري مباشر أو انهيار داخلي تحت وطأة الضربات؟ التجربة العراقية بعد عام 2003 تقدم نموذجا تحذيريا. فقد أدى سقوط الدولة هناك إلى فراغ أمني وصعود جماعات متطرفة وانتشار الفوضى لسنوات طويلة، قبل أن تستعيد البلاد قدرا من الاستقرار النسبي.

إيران ليست العراق من حيث التركيبة أو التاريخ أو البنية المؤسسية، لكنها تضم مجتمعا متنوعا وأقليات قومية ومذهبية، إضافة إلى شبكة واسعة من المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري والمرجعية الدينية. انهيار هذا البناء دون بديل منظم قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية وانقسامات حادة، وربما تدخلات خارجية متنافسة.

في المقابل، قد يسعى النظام إلى إعادة إنتاج نفسه في صيغة معدلة، مستندا إلى النزعة الوطنية وذاكرة التدخلات الأجنبية التي ترسخت في الوعي الإيراني منذ القرن التاسع عشر. فكلما تعرضت البلاد لتهديد خارجي، تعزز خطاب السيادة والمقاومة، وتراجعت الأصوات المطالبة بتغييرات جذرية في بنية الحكم.

موقف صيني روسي حاسم أمام ميوعة للاتحاد الأوربي

على المستوى الدولي، انتقدت الصين الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، ودعت إلى وقف فوري للأعمال العسكرية والعودة إلى المسار الدبلوماسي. هذا الموقف يعكس قلقا من اتساع رقعة الحرب بما يهدد مصالح القوى الكبرى في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. كما أنه يشير إلى أن الصراع لا يجري في فراغ، بل في سياق تنافس دولي أوسع.

تبدو المنطقة أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن ينجح التصعيد في فرض معادلات ردع جديدة تعيد الأطراف إلى طاولة التفاوض بشروط مختلفة، وإما أن ينزلق الجميع إلى حرب طويلة متعددة الجبهات، تستنزف الدول والمجتمعات على حد سواء. الخطر لا يقتصر على سقوط أنظمة، بل يمتد إلى تفكك المجتمعات وتعميق أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، ما يضعف قدرتها على التأثير في قرارات حكوماتها أو مقاومة أي هيمنة خارجية.

بين صواريخ باليستية وطائرات شبح ومسيرات متطورة، تبقى الحقيقة الأهم أن أي حرب واسعة في الخليج لن تكون مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل زلزالا سياسيا واستراتيجيا قد يعيد تشكيل الشرق الأوسط لعقود مقبلة.

في سياق متصل، وصفت وزارة الخارجية الروسية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران بأنه خطوة متهورة وعمل عدواني مخطط له مسبقا ضد دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، معتبرة أن ما جرى يمثل انتهاكا صريحا لمبادئ القانون الدولي وقواعده الأساسية. وأكدت موسكو في بيان رسمي أن حجم وطبيعة الاستعدادات العسكرية والسياسية والإعلامية التي سبقت الهجوم، بما في ذلك حشد قوات أمريكية كبيرة في المنطقة، يكشفان بوضوح أن العملية لم تكن ردا عفويا، بل تحركا منظما يستهدف تقويض النظام الدستوري الإيراني وإزاحة قيادته بالقوة.

وحذرت الخارجية الروسية من أن هذه المغامرة قد تدفع المنطقة نحو كارثة إنسانية واقتصادية واسعة، مع عدم استبعاد مخاطر إشعاعية، معتبرة أن مسؤولية التداعيات المحتملة، بما في ذلك تصاعد العنف وسلسلة ردود الفعل غير المتوقعة، تقع بالكامل على عاتق واشنطن وتل أبيب.

الإدراك الأوربي لحساسية المرحلة

أعلن الاتحاد الأوروبي سحب موظفيه غير الأساسيين من الشرق الأوسط، معبرا عن قلقه من التطور الخطير للأوضاع عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران. ويعكس القرار إدراكا أوروبيا بحساسية المرحلة، في ظل تصاعد المواجهة العسكرية واحتمال اتساع رقعتها إقليميا.

رسميا، يتبنى الاتحاد خطابا موحدا يدعو إلى خفض التصعيد وضبط النفس، مع التأكيد على حق إسرائيل في الأمن ورفض امتلاك إيران سلاحا نوويا أو استهداف المصالح الغربية. غير أن هذا الموقف يخفي تباينات بين العواصم الأوروبية. فبينما تميل ألمانيا إلى دعم سياسي أوضح لإسرائيل انسجاما مع عقيدتها التاريخية، برزت أصوات معارضة داخلها، إذ أدان حزب اليسار الهجمات واعتبرها انتهاكا للقانون الدولي، محذرا من إشعال حرب واسعة ذات عواقب وخيمة.

التوتر الحالي يرتبط بسياق أوسع من الصراع حول البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران. فمنذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، تصاعدت حدة المواجهة، وترافقت مع ضربات متبادلة وتوسع في الأنشطة العسكرية. وتتهم الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بتطوير قدرات صاروخية وعسكرية تهدد الاستقرار، فيما ترد طهران باستهداف قواعد ومصالح أمريكية في المنطقة، ما يرفع احتمالات الانزلاق إلى صراع أوسع.

أوروبيا، يواجه الاتحاد 3 تحديات متداخلة: رفض توسيع الصراع، الموازنة بين دعم أمن إسرائيل ومنع الانفجار الإقليمي، والتمسك بالحلول الدبلوماسية. وتدرك بروكسل أن الحرب لا تمس فقط توازنات الردع، بل تطال مصالح مباشرة تتعلق بأمن الطاقة، واستقرار الملاحة، ومنع الانتشار النووي، وأمن الجاليات الأوروبية في المنطقة.

ويرى خبراء أوروبيون أن دور الاتحاد سيكون دبلوماسيا بالأساس، إذ لا يعد فاعلا عسكريا حاسما في هذه المعادلة. ومع ذلك، فإن أي تعطيل محتمل للملاحة في الخليج أو البحر الأحمر، أو انخراط طويل الأمد في حرب استنزاف، قد يفرض على أوروبا إعادة تقييم سياساتها الدفاعية وتعزيز التنسيق مع شركائها الإقليميين.

في المحصلة، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه بين ضغوط الحلفاء الغربيين ومخاطر الانفجار الإقليمي. قدرته على الحفاظ على موقف متوازن، ودفع الأطراف نحو مسار تفاوضي، ستحدد مدى نجاحه في حماية مصالحه والمساهمة في منع تحول الأزمة إلى حرب شاملة تعيد رسم خرائط الاستقرار في الشرق الأوسط.