جود نيوز الكندية

دردشة…بالعربي الفصيح:

هل الغضب قوة أم ضعف؟

-

في المقالات الثلاثة السابقة تحدثنا عن الخوف حينما يقود المرء إلى السطحية المفرطة فينعكس ذلك على نظرته للخالق وناقشنا قضية الألم والموت من وجهة النظر المسيحية؛ أما اليوم فسنتحدث عن الغضب وبالأخص الغضب الإلهي!

تستوقفنا دائماً تساؤلات جوهرية حول طبيعة الغضب: هل هو علامة قوة ونفوذ، أم دليل ضعف وعجز؟ وهل يعكس حالة من الثبات والسيادة، أم هو لحظة من الانفلات وفقدان السيطرة؟

في القدم، سيطر على الشعوب — سواء كانوا يهوداً أو أمماً — تصور مفاده أن "الآلهة" كيانات متقلبة، كـ "قنبلة موقوتة" يجب استرضاؤها باستمرار عبر الذبائح والصلوات. كان الاعتقاد السائد أن غضب الآلهة هو المحرك للكوارث الطبيعية والاضطرابات الكونية، وكأن الإله في لحظة غضبه "يقلب الطاولة" على الجميع دون ضابط. بالنسبة للبشر الضعفاء، كان هذا الغضب مرعباً لأنه خروج عن السيطرة لا يمكن صده، والمفارقة الكبرى أنهم اعتبروا هذا الانفلات "قوة"!

إذا نظرنا للأمر بعمق، نجد أن الغضب بمعناه البشري يمثل حالة ضعف لا قوة؛ فمن يفقد السيطرة على انفعالاته يرتكب حماقات قد تؤذي الآخرين. فكيف لنا أن ننسب هذا الضعف للذات الإلهية؟ إن مقياس القوة الحقيقي يكمن في الاتزان، والسيادة، والقدرة على ضبط الأمور، وهو ما نسميه في المفهوم الإيماني "ضابط الكل". لذا، فإن قوة الله الحقيقية لا تتجلى في "ثورة الغضب" كما فهمها الأقدمون، بل في كمال اتزانه وحكمته.

هل يعني هذا أن ما ورد في النصوص القديمة عن غضب الله كان مجرد أوهام؟ الإجابة هي "لا"، ولكن لا يجب أن نُسقط المعنى البشري للغضب على الله. الغضب الإلهي ليس "نوبة حقد"، بل هو "رفع يد المعونة" حين يصر البشر على رفض التدخل الإلهي في حياتهم.

لنتأمل في قصة بني إسرائيل في البرية؛ بعد أن أفاض الله عليهم بالمن والسلوى، تمردوا وشككوا في حمايته. حينها، وبناءً على رفضهم لسيادته، تنحت "يد الرعاية" جانباً. في تلك اللحظة، وجد "عدو الخير المهلك" ثغرة لينفث سمومه عبر الحيات المحرقة التي فتكت بالشعب. لقد ربط البشر بين هذا الشر وبين "غضب الله"، وأن غضب الإله دائما ينتج شراً. بينما الحقيقة هي أن الله بفيض حنانه قدم لهم الحل مباشرة (الحية النحاسية)، تاركاً لهم حرية الاختيار: من أراد الحياة فلينظر ويؤمن، ومن رفض فقد اختار مصيره بنفسه.

قد يتساءل البعض: لماذا لم يوضح الله للشعوب قديماً أن الشر نابع من الشيطان لا منه؟ الحقيقة أن التعامل مع فكر بشري سطحي كان يتطلب تدرجاً. ففي ذلك الزمان، كان مفهوم القوة هو المعيار الوحيد للاحترام والعبادة، ولو كشف الله حينها عن سلطان الشيطان بشكل صريح، لربما انصرف الناس لعبادته اتقاءً لشرّه. كان هدف الله الأسمى هو تنفيذ "خطة الخلاص" أولاً، مدركاً أن المعرفة اللاهوتية الكاملة ستتحقق حتماً من خلال هذا الخلاص.

لقد حسم الإنجيل هذا الجدل بقول يوحنا الرسول: "الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر". المسيح هو من كشف لنا الطبيعة الحقيقية لله؛ فمن رأى الابن فقد رأى الآب. معرفتنا عن الله الآب تكتمل وتتجلى في صورة الابن المحب، الغافر، والمنضبط.

إن الله يا أحبائي لا يغضب كانفعال بشري، بل هو يحترم إرادتنا الإنسانية لدرجة أنه قد يحجب يد رعايته "مؤقتاً" إذا أصررنا على رفضها، لعلنا ندرك من خلال هذا الغياب قيمة حضوره المحيي.

في العدد القادم سأقدم لكم مثالاً تأملياً لشرح قضية الموت والغضب الإلهي فتابعونا.