معركة خلافة فرانسوا لوجو 12 أبريل:
بين دارينفل وفريشيت من يفوز برئاسة حزب ”الكاك” والحكومة في كيبيك؟

تعيش مقاطعة كيبيك واحدة من أهم لحظاتها السياسية في السنوات الأخيرة، مع احتدام السباق داخل حزب Coalition avenir Québec ائتلاف مستقبل كيبيك – CAQ لاختيار زعيم جديد يخلف رئيس الوزراء الحالي François Legault، في خطوة لا تقتصر على تغيير قيادة حزبية، بل تمتد لتحديد هوية رئيس الحكومة المقبل واتجاه السياسات العامة في المقاطعة.
ويكتسب هذا السباق أهمية مضاعفة، ليس فقط لأنه يأتي قبل أقل من 6 شهور من الانتخابات العامة في أكتوبر 2026، بل لأنه يجري في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، من أزمة السكن إلى الضغوط على الخدمات العامة، مرورا بالجدل المتصاعد حول الهجرة والهوية. وفي قلب هذه المعركة يقف اسمان بارزان: كريستين فريشيت Christine Fréchette وبرنار درانفيل Bernard Drainville، اللذان يمثلان اتجاهين مختلفين داخل الحزب نفسه.
● خروج لوجو… انتقال محسوب للسلطة
قرار فرانسوا لوجو François Legault مغادرة رئاسة الحكومة، مع الاستمرار كنائب في الجمعية الوطنية حتى نهاية ولايته، يعكس رغبة في إدارة انتقال السلطة بشكل تدريجي ومنظم. فقد أكد مكتبه أن الدافع الرئيسي وراء هذا القرار هو "المسؤولية تجاه المواطنين"، خصوصا سكان دائرته الانتخابية "لاسوماسيون"، الذين لم يرغب في تركهم دون تمثيل في الجمعية الوطنية. غير أن هذا "الخروج الناعم" لا يخفي حقيقة أن الحزب يمر بمرحلة مفصلية. لوجو، الذي قاد الحزب إلى السلطة قبل نحو 8 سنوات، ترك وراءه إرثا سياسيا واقتصاديا معقدا، يتطلب من خلفه إما البناء عليه أو إعادة توجيهه.
● انتخابات داخلية تحدد مصير حكومة
رغم أن المنصب المطروح هو رئاسة حكومة كيبيك، فإن من سيحسم النتيجة هم نحو 20,500 عضو فقط من أعضاء الحزب. وهذا الواقع يطرح تساؤلات حول طبيعة العملية الديمقراطية داخل الأحزاب، حيث يمكن لعدد محدود نسبيا من الأفراد أن يقرر مستقبل قيادة المقاطعة. وقد ارتفع عدد الأعضاء خلال السباق، في مؤشر على تعبئة داخلية قوية، لكنه لم يخل من الجدل، خاصة بعد الكشف عن وجود أعضاء "كاك - CAQ" لا يحملون الجنسية الكندية ضمن القاعدة الحزبية، وهو ما أثار نقاشا سياسيا حول مدى تأثير هذه الفئة في اختيار الزعيم المقبل.
● فريشيت: الاقتصاد أولا… واستمرارية محسوبة
في هذا السياق، تقدم كريستين فريشيت Christine Fréchette نفسها كمرشحة "الاستقرار والاستمرارية"، مع تركيز واضح على الملف الاقتصادي. وبحكم خبرتها كوزيرة سابقة للاقتصاد، تضع فريشيت النمو الاقتصادي في صدارة أولوياتها، معتبرة أن معالجة الأزمات الحالية تبدأ من تعزيز الاستثمار وتحفيز الإنتاج. ترى فريشيت أن كيبيك بحاجة إلى بيئة أعمال أكثر مرونة، وتشجيع الشركات المحلية والدولية على التوسع، إلى جانب دعم الابتكار. كما تركز على أزمة السكن، لكنها تميل إلى حلول قائمة على تسهيل البناء وتقليل القيود البيروقراطية، بدل التوسع في التدخل الحكومي المباشر.
أما في ملف الهجرة، فتتبنى مقاربة توصف بالبراجماتية، حيث تسعى إلى تحقيق توازن بين احتياجات سوق العمل وقدرة المقاطعة على الاستيعاب. فهي لا ترفض الهجرة، لكنها تدعو إلى إدارتها بشكل أكثر كفاءة، بما يخدم الاقتصاد دون خلق ضغوط إضافية على الخدمات. هذا الخطاب يجعلها مرشحة الجناح الاقتصادي داخل الحزب، ويكسبها دعما من النخب الاقتصادية وبعض الوزراء الذين يرون في الاستقرار عاملا أساسيا في المرحلة المقبلة.
● درانفيل: الحزم السياسي وخطاب الهوية والهجرة واللغة الفرنسية
على الجانب الآخر، يطرح برنار درانفيل Bernard Drainville رؤية مختلفة، تقوم على خطاب أكثر صرامة في القضايا الاجتماعية والهوية. ويعتمد درانفيل على فكرة أن كيبيك تواجه ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع الهجرة، ما ينعكس على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والإسكان.
يرى درانفيل أن الحل يكمن في تقليص أعداد المهاجرين وربطها بقدرة المقاطعة على الاستيعاب، وهو موقف يجذب شريحة من الناخبين القلقين من تدهور الخدمات. كما أثار جدلا واسعا عندما تحدث عن تأثير محتمل لغير المواطنين في اختيار زعيم الحزب، في إشارة إلى بعض أعضاء الحزب. إلى جانب ذلك، يضع درانفيل قضية حماية اللغة الفرنسية في صلب حملته، معتبرا أنها تواجه تحديات حقيقية تتطلب إجراءات "حازمة وسريعة". وهذا الطرح يمنحه حضورا قويا في النقاشات المرتبطة بالهوية الثقافية في كيبيك.
● القضايا الخلافية: معركة الاتجاهات داخل الحزب
تتجسد المنافسة بين فريشيت ودرانفيل في عدد من الملفات الرئيسية التي تكشف عمق الانقسام داخل الحزب.
1- الهجرة: بين التوازن والتقييد
يبرز ملف الهجرة كأهم نقطة خلاف. فبينما تدعو فريشيت إلى إدارة مرنة تخدم الاقتصاد، يصر درانفيل على تقليص الأعداد لحماية الخدمات والهوية واللغة الفرنسية. هذا التباين يعكس اختلافا جوهريا في النظرة إلى مستقبل كيبيك، بين الانفتاح المدروس والانغلاق النسبي.
2- الاقتصاد: السوق مقابل الدولة
في الجانب الاقتصادي، تميل فريشيت إلى تعزيز دور السوق والاستثمار، بينما يرى درانفيل ضرورة تدخل الدولة بشكل أكبر لضبط التوازن الاجتماعي. هذا الخلاف يطرح تساؤلات حول طبيعة النموذج الاقتصادي الذي ستتبناه المقاطعة في المرحلة المقبلة.
3- أزمة السكن: حلول السوق أم التدخل الحكومي
تواجه كيبيك أزمة سكن متفاقمة، ويختلف المرشحان في معالجتها. فريشيت تراهن على زيادة العرض عبر تسهيل البناء، بينما يدعو درانفيل إلى تدخل حكومي مباشر، بما في ذلك دعم المشترين، بسبب الزيادة غير المحسوبة وغير الرشيدة من أعداد اللاجئين والمهاجرين الذي يمثلون ضغطا أكبر من طاقة الحكومة علي خدمات السكن والتعليم والصحة.
4- الهوية واللغة: مقاربتان مختلفتان
في ملف الهوية، تبدو الفجوة أوضح، حيث تعتمد فريشيت أسلوبا مؤسساتيا هادئا، مقابل خطاب أكثر تشددا لدى درانفيل، يركز على الإجراءات السريعة.
5- أبعاد اقتصادية وسياسية أعمق مع نقص الأيدي العاملة
لا يمكن فهم هذا السباق بمعزل عن السياق الاقتصادي الأوسع. كيبيك تواجه تحديات تتعلق بنقص اليد العاملة وارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما يجعل ملف الهجرة مرتبطا بشكل مباشر بالاقتصاد. في هذا الإطار، تمثل فريشيت رؤية تعتمد على الانفتاح الاقتصادي، في حين يعكس خطاب درانفيل مخاوف من آثار هذا الانفتاح على البنية الاجتماعية.
سياسيا، يكشف السباق عن تحول في المزاج العام، حيث تتزايد أهمية قضايا الهوية، وهو ما قد يعيد رسم خريطة التحالفات داخل الحزب وخارجه.
● لوجو… إرث حاضر في المعركة
رغم انسحابه، يبقى تأثير فرانسوا لوجو François Legault حاضرا بقوة. فإرثه السياسي يشكل نقطة مرجعية للمرشحين، سواء من خلال محاولة الاستمرار فيه أو إعادة تفسيره. فريشيت تبدو الأقرب إلى نهجه الاقتصادي، بينما يسعى درانفيل إلى إعادة توجيه الحزب نحو خطاب أكثر صرامة، ما يعكس اختلافا في قراءة المرحلة المقبلة.
●12 أبريل… أكثر من مجرد تصويت
مع اقتراب موعد انتخابات رئيس جديد لحزب "كاك"، يتضح أن ما يجري داخل حزب ائتلاف مستقبل كيبيك يتجاوز مجرد انتخاب زعيم. إنه اختبار حقيقي لاتجاه الحزب، بل ولمستقبل كيبيك ككل. ففوز كريستين فريشيت Christine Fréchette قد يعني استمرار السياسات الحالية مع بعض التعديلات، بينما قد يفتح فوز برنار درانفيل Bernard Drainville الباب أمام تحول أكثر وضوحا نحو سياسات متشددة في الهجرة والهوية.
وفي كل الأحوال، فإن القرار الذي سيتخذه بضعة آلاف من أعضاء الحزب لن يحدد فقط اسم رئيس الوزراء المقبل، بل سيؤثر بشكل مباشر على المسار السياسي والاقتصادي لثاني أكبر إقليم بين أقاليم كندا البالغ عددها 10 أقاليم من حيث القوة الديموجغرافية والمساحة في السنوات القادمة، في لحظة تبدو فيها كيبيك أمام مفترق طرق حقيقي بين الاستمرارية والتغيير.
● سيناريوهات وتوقعات: صعوبة معرفة من الفائز
هناك سيناريوهات وتوقعات حول من صاحب الفرص الأفضل للفوز برئاسة الحكومة وحزب التضامن من أجل كيبيك أو بالأصح برنار درانفيل مقابل كريستين فريشيت في سياق سباق قيادة حزب Coalition Avenir Québec CAQ بعد استقالة فرانسوا لوجو. ومن بين السيناريوهات المحتملة:
1- السيناريو الأول:
السيناريو الأول يتعلق بفوز كريستين فريشيت كزعيمة للحزب. هناك عوامل تؤيد هذا السيناريو يذكر من بينها: تظهر استطلاعات حديثة أن فريشيت تحظى بتقدم واضح بين أعضاء الحزب مقارنة بدراينفيل. على سبيل المثال، في استطلاع طرحت فيه فريشيت حوالي 59% من الدعم مقابل 22% لـ دراينفيل في سباق القيادة.
لو أصبحت زعيمة CAQ، تشير تقديرات أخرى إلى أن الحزب يمكن أن يستعيد دعما انتخابيا أكبر في الاستحقاق العام، مقارنة بما قد يحصل عليه الحزب بقيادة دراينفيل. يبدو أنها تلقى دعما من فئات داخل الحزب وصفت بأنها “اعتدالـية” ومركزية سياسية، مما يعزز فرصها في انتخابات عامة محتملة.
فوز فريشيت برئاسة الحزب، وتصبح أقوى مرشحة لقيادة الحزب في الانتخابات القادمة ومعها تكون لها فرصة أكبر لكي تصبح رئيسة الحكومة. علما بأن كل نوايا تصويت يخسرها "كاك" تذهب مباشرة إلي الحزب الليبرالي في كيبيك بعد انتخاب رئيس جديد لهز
2- السيناريو الثاني :
أما السيناريو الثاني الخاص بفوز برنارد دراينفيل. هذا السيناريو يوجد ما يبرره منه: دراينفيل يتمتع بشهرة أكبر في صفوف القاعدة التقليدية وبعض وسائل الإعلام نظرا لمسيرته الطويلة في السياسة ووسائل الإعلام، فضلا عن حضور قوي في وسائل التواصل وقد يستخدم ذلك للوصول لقاعدة واسعة داخل الحزب. إلا أن هناك تحديات ومعوقات أمامه منها: في العديد من استطلاعات الرأي، تظهر فريشيت في صدارة النتائج بشكل واضح.
بعض المعلقين في المنتديات السياسية يرون أن دراينفيل قد يكون أقل قدرة على جذب الناخبين العامين مقارنة بفريشيت، مما يؤثر في احتمالات الحزب الانتخابية. الخلاصة أنه لو فاز دراينفيل بقيادة الحزب، قد يصبح رئيس الحكومة بشكل مؤقت حتى الانتخابات، لكن فرص CAQ في الفوز بأغلبية في الانتخابات القادمة قد تكون أضعف من سيناريو فوز فريشيت.
وأظهر استطلاع للرأي أجري خلال شهر مارس أن نوايا التصويت لحزب CAQ، التي كانت عند 17٪ عندما أعلن فرانسوا ليجو عن استقالته في يناير، انخفضت إلى 9٪ بحلول نهاية مارس. ووصف جان-مارك ليجيه مؤسس شركة Léger التي تجري استطلاع الرأي الوضع بالخطير لأن الصراع علي رئاسة الحزب، يرهق الحزب، ويبعد الكثير من الناخبين عنه في الانتخابات العامة أكتوبر القادم. مع الأخذ في الاعتبار أن "كاك" يأتي في المرتبة الثالثة بعد حزب الكتلة الكبيبيكية والحزب الليبرالي الكيبيكي، ويقلل من فرص فوزه في الانتخابات العامة أكتوبر 2026.

