جود نيوز الكندية

دبلوماسية الاستقرار الاستراتيجي بين الصين ودونالد ترامب

-

شكل اللقاء بين الرئيس الصيني Xi Jinping والرئيس الأمريكيDonald Trump في مايو 2026 محطة مهمة في العلاقات الصينية الأمريكية. إن هذه الزيارة عكست تحولا واضحا في ميزان القوى العالمي، إذ لم تعد الصين تعتبر نفسها قوة ثانوية أمام الولايات المتحدة، بل أصبحت ترى نفسها ندا قادرا على منافسة واشنطن سياسيا واقتصاديا وعسكريا. وقد حرصت بكين على استقبال ترامب بمظاهر تعكس ثقتها الكبيرة بنفسها ومكانتها الدولية المتصاعدة. ورغم كل هذه المعطيات لاتزال العلاقة بين بينيجنج وواشنطن تسيطر عليها حالة اللا حرب واللا سلام، ورغم كل هذا تسعي القوتان الصينية والأمريكية إلي قبول تواجدها في المسرح الدولي.

حالة اللاحرب واللا سلام: قبول التواجد المشترك لقوي متصارعة

كما لفت انتباه المراقبين أسلوب ترامب خلال الزيارة، إذ بدا أكثر هدوءا وانضباطا مقارنة بأسلوبه المعتاد القائم على التصريحات المفاجئة والاستفزازية المتعالية، حيث أظهر احتراما كبيرا للصين ورئيسها. ويفسر هذا التغير على أنه اعتراف ضمني من ترامب بأن الصين أصبحت قوة عالمية لا يمكن التعامل معها بمنطق الهيمنة التقليدية، ومن بين هؤلاء المراقبين الكاتب أليكس وانج في مجلة صراعات الجيوبولتيكس Conflits: Revue Géopolitique.

وجاء اللقاء في ظل تصاعد التوترات بين البلدين في عدة ملفات، مثل الحرب التجارية، والتنافس التكنولوجي خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى التوترات العسكرية في منطقة المحيط الهادئ. وتبقى قضية تايوان النقطة الأكثر حساسية، حيث أكد شي جين بينغ أن سوء إدارة هذا الملف قد يؤدي إلى انهيار العلاقات الثنائية واندلاع مواجهة خطيرة. في المقابل، أشار ترامب إلى أنه لا يرغب في دخول حرب بسبب إعلان محتمل لاستقلال تايوان.

كما ناقش الجانبان الملف الإيراني وأمن مضيق هرمز، حيث طلب ترامب من الصين استخدام نفوذها لدى إيران للمساعدة في استقرار المنطقة، لكن بكين حافظت على موقف حذر دون التزامات واضحة. الخلاصة أن الصين والولايات المتحدة أصبحتا تدركان أن أيا منهما لا يستطيع القضاء على الآخر أو فرض هيمنة كاملة عليه، ولذلك تسعيان إلى بناء نوع من “التعايش الاستراتيجي” القائم على إدارة التنافس وتجنب الصدام المباشر حفاظا على الاستقرار العالمي والاقتصاد الدولي.

هذا وتعد الصين ثالث أكبر جهة أجنبية حائزة للدين العام الأمريكي، إذ تمتلك سندات خزانة أمريكية تقدر قيمتها بحوالي 688 مليار دولار. وقد خفضت بكين انكشافها على هذه السندات بأكثر من 630 مليار دولار منذ عام 2013، كما فرضت قيودا جديدة على بنوكها فيما يتعلق بشراء هذه السندات.

ترامب يبدو لأول مرة ضعيفا في العاصمة الصينية

في سياق متصل، تحدث محللون سياسيون عن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غلب عليه طابع الضعف، وفقا لعدد من المراقبين وخبراء العلاقات الدولية. ويؤكد هؤلاء المحللون أن ميزان القوى بين البلدين تغير خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الصين أكثر قوة ونفوذا، بينما يواجه ترامب تحديات داخلية وخارجية تقلل من قدرته التفاوضية، وأن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك التفوق الواضح الذي كانت تتمتع به قبل عقد من الزمن، في حين تواصل الصين صعودها كقوة عالمية مؤثرة على مختلف المستويات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والسياسية.

ورأي خبراء أن هذه قضايا متعددة في مقدمتها الحرب مع إيران، جعلت زيارة ترامب للصين معقدة، خصوصا في ظل انشغاله بالأزمة مع إيران، وهو ما يضعف موقف واشنطن التفاوضي. كما أن ترامب كان مجبرا أن يبدو أقل حضورا إعلاميا من المعتاد، ولم يظهر نفس الثقة أو التصريحات القوية التي عرف بها، وهو ما فسر على أنه انعكاس لوضع سياسي أقل قوة مقارنة بمنافسه الصيني.

من جهة أخرى، يعتقد بعض المحللين في العلاقات الخارجية، والعلاقات الأمريكية الصينية، أن الصين لا ترى مصلحة في التدخل السريع لمساعدة الولايات المتحدة في أزماتها، معتبرين أن ضعف الخصم يمنح بكين مساحة أوسع لتعزيز نفوذها. وفي الوقت نفسه، قد تحتاج واشنطن إلى تعاون الصين في ملفات اقتصادية وأمنية، بما في ذلك الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط.

ومن ثم فإن العلاقة بين القوتين تتجه نحو مرحلة دقيقة من إعادة تشكيل موازين القوة، حيث تسعى الصين إلى تعزيز موقعها العالمي، بينما تحاول الولايات المتحدة إدارة أزماتها الداخلية والخارجية. وفي هذا السياق، تبدو المنافسة أكثر وضوحا من التعاون، مع استمرار اعتماد الطرفين على بعضهما في ملفات محددة رغم التوترات المتصاعدة.

الاستقرار الاستراتيجي الهش .. سياق عالمي مضطرب

في سياق متصل، كشف فرانسوا جوديمان، الباحث في العلاقات الأمريكية الآسيوية في معهد Institut Montaigne في تحليل مطول حول لقاء مايو 2026 بين الرئيس الأمريكي Donald Trump والرئيس الصيني Xi Jinping في بكين، يعتبر أن ما جرى خلال القمة لا يعكس تحولا جذريا بقدر ما يعكس “استقرارا استراتيجيا هشا” قد يكون مؤقتا وسريع التآكل.

كما أن الزيارة التي استمرت يومين لم تحمل مفاجآت كبيرة، بل اتسمت بضبط إعلامي واضح من الطرفين. فقد استقبلت الصين ترامب بحفاوة رسمية كبيرة شملت زيارات بروتوكولية رفيعة المستوى، بينما التزم ترامب بخطاب هادئ ومحدود، بعيدا عن أسلوبه المعتاد القائم على التصريحات الحادة والمباشرة. كما أن القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان غابت تقريبا عن جدول الأعمال، باستثناء إشارات محدودة إلى بعض الحالات الفردية.

كانت الصورة التي رافقت القمة تم تضخيمها إعلاميا، إذ جرى الحديث عن “تنازلات أمريكية” واسعة، في حين أن الواقع أكثر تعقيدا. فالصين لم تقدم، وفق التحليل، تنازلات استراتيجية واضحة، بل استخدمت القمة لتعزيز مفهومها الجديد للعلاقة مع واشنطن، وهو “الاستقرار الاستراتيجي” بدل مفهوم “الثقة” التقليدي.

توتر ومخاوف حلفاء الصين من زيارة ترامب

على المستوى الجيوسياسي، جاءت القمة في سياق عالمي مضطرب يشمل التوتر في الشرق الأوسط، الحرب في أوكرانيا، والتنافس التكنولوجي والاقتصادي بين القوتين. وتظل قضية تايوان في صدارة الملفات الحساسة، حيث حذر شي جين بينغ من أن هذه القضية هي “الأهم” في العلاقات الثنائية، وأن سوء إدارتها قد يؤدي إلى صراع مباشر. في المقابل، لم يقدم ترامب التزامات جديدة، بل أكد استمرار السياسة الأمريكية التقليدية القائمة على ما يسمى بـ“الغموض الاستراتيجي”، مع بعض التصريحات التي توحي برغبته في تجنب المواجهة العسكرية المباشرة.

من جانبها، أكدت الصين موقفها من حلفائها وشركائها الاستراتيجيين، مثل روسيا وإيران وكوريا الشمالية. إذ كان هناك قلق متزايد لدى هذه الأطراف من احتمال أن تقوم بكين بإعادة ترتيب أولوياتها أو تقديم تنازلات للولايات المتحدة على حسابهم. وعبرت عن هذا التوتر، إيران التي أعلنت عن استياء غير مباشر عبر إجراءات وتصريحات مرتبطة بالتجارة والأمن البحري.

في المقابل، أبدت روسيا بدورها بعض التحفظات تجاه سلوك الصين، وهو أمر نادر في الخطاب الروسي الرسمي، ما يعكس قلقا من أن بكين قد تستفيد من شراكاتها دون تحمل الأعباء السياسية والعسكرية المرتبطة بها. كما أنه لم تمر أيام معدود على انتهاء زيارة ترامب للصين، حتى جاءت زيارة الرئيس الروسي للصين، لتأكيد التحالف الاستراتيجي بين بينجينج وموسكو في مواجهة واشنطن.

جوهر الصراع الصيني الأمريكي: الاقتصاد والتجارة

اقتصاديا، تناولت القمة الأمريكية الصينية، قضايا التجارة وسلاسل التوريد والتبادل الصناعي، مع تركيز خاص على الطائرات والقطاع الجوي. فقد أُعلن عن صفقات لشراء طائرات أمريكية، لكن الأرقام والتفاصيل بقيت محل خلاف بين الرواية الأمريكية والصينية. فبينما تحدث ترامب عن مئات الطائرات من طراز بوينج، قدمت الصين بيانات أقل تفصيلا، ما يعكس اختلافا في أسلوب التفاوض والتواصل بين الطرفين.

كما أن الصين تتعامل مع الاتفاقات الدولية باعتبارها لا تكون ملزمة إلا بعد توقيعها رسميا، بينما تميل الإدارة الأمريكية إلى إعلان الاتفاقات قبل استكمال تفاصيلها النهائية، ما يخلق فجوة في تفسير النتائج بين الجانبين.

على الجانب الاستراتيجي، واشنطن لا تزال مترددة بين المواجهة والاحتواء، وأن إدارة ترامب تميل إلى تجنب الصدام المباشر مع الصين، مع التركيز على ملفات أخرى مثل إيران وأمن الطاقة العالمي. وفي المقابل، تسعى الصين إلى استغلال هذا التردد الأمريكي لتعزيز نفوذها وإعادة تشكيل ميزان القوى الدولي تدريجيا، في مختلف دوائر النظام الاقتصادي والسياسي العالمي.

دبلوماسية الصين: الاستقرار الاستراتيجي

أما بخصوص إيران، فإن الصين لا ترغب في التدخل المباشر لدعم واشنطن في حربها مع إيران، رغم امتلاكها نفوذا اقتصاديا كبيرا على طهران، خصوصا من خلال استيراد النفط. كما أن الصين تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين مصالحها مع إيران وشركائها الخليجيين والولايات المتحدة، دون الانخراط في التزامات عسكرية أو سياسية مباشرة، إذ يغلب على موقفها الحياد الدولي رسميا، رغم علاقاتها القوية مع إيران من ناحية، وعلاقاتها الاستراتيجية مع دول الخليج في ملفات الطاقة والتجارة والاستثمار.

في هذا السياق، تطرح الصين مفهوم “الاستقرار الاستراتيجي”، بصورة تبدو جذابة في الظاهر، لكنه في الواقع غامض وقابل للتفسير بطرق مختلفة، ما يجعله أداة دبلوماسية أكثر منه إطارا مستقرا للعلاقات. كما يحذر المقال من أن هذا الاستقرار قد يكون قصير الأمد، لأن الخلافات البنيوية بين واشنطن وبكين لا تزال عميقة، سواء في قضايا تايوان، أو التكنولوجيا، أو النفوذ العالمي.

ومن ثم فإن ما حدث بين الصين وأمريكا، لا يمثل تقاربا حقيقيا ولا قطيعة، بل مرحلة وسطية دقيقة من إدارة التنافس بين قوتين عظميين. هذه المرحلة تقوم على التوازن الهش بين التعاون المحدود والمنافسة الاستراتيجية الحادة، حيث يحاول كل طرف منع الانزلاق إلى صراع مباشر، دون التنازل عن طموحاته الكبرى في النظام الدولي.