أينَ اختفى عالمنا الجميل؟!

من عالمٍ لم يكُن مِثاليًا لكنه كان أكثر اتزانًا وأكثر مُراعاة للقسم الإنسانية؛ إلى عالمٍ انقلبت فيه المفاهيم واضطربت المعايير بصورة مُنفلتة عن كُل سِمات المنطق، أشياء بدأت تختفي اختفاءً سريعًا دونَ مُبرراتٍ مُقنِعة، وأُخرى اختفت فجأة وكأنها لم تكُن، وأحداث مازالَ بعضنا يتذكرها بيقين بينما مُحيت تمامًا من ذاكرة آخرين بما يُشبه فُقدانَ ذاكرةٍ جماعي، مَن مِن مواليد ما قبل عام 2000م لم يلحظ تلكَ الظواهر المُثيرة لاهتمام العُقلاء والمُتأمّلين؟
وفق مُحاولات التحليل الظاهرية للمسائل؛ قد يبدو من السهل تفسير ما يحدث باعتباره نتيجة طبيعية لتسارع إيقاع حركة العصر لا سيما بعد ثورة التقنية والاتصال، لكن بشيء من البحث والتنقيب سُرعانَ ما نكتشف وجود كثير من البشر غير الراضينَ عن تلك النقلة التي تبدو أشبه بالاستيقاظ المُفاجئ من حلم أو الانتقال الصادم لكابوس.. البشر – في كُل مكان- صاروا يتصرفونَ بطبيعةٍ أكثر عُنفًا وتطلُّبًا وعشوائيَّة وانعدامًا للرضا بما يتجاوز ذاك التفسير الذي يُحمّل الأحداث التاريخيَّة المُعاصرة وِزرَها، فالثورات والانقلابات والحروب والكوارث البيئية والطبيعية والاقتصاديّة اجتاحت كل بلاد هذا الكوكب على مر العصور حافرة بصماتها على أرواح البشر وتصرّفاتهم لكن وفق تسلسلٍ منطقي يُمكن تتبع تطوراته وتبريره، أما ما يحدث اليوم أشبه بفوضى انطلقَت من المجهول وتضخّمت تضخمًا سريعًا يستحيل السيطرة على تبِعاته السلبيَّة، بينما المصدومون بتلك الفوضى يتحسَّرونَ على أيامٍ مضَت ويختارون الانزواء مع "ذكريات الزمن الجميل" كالصور المُلتقطة من الماضي والأفلام والمُسلسلات القديمة التي تؤكد تعليقاتهم تحت حلقاتها المنشورة عبر "يوتيوب" أن الكائن البشري مازالَ يولد بفطرة التوق للإبداع الراقي والذوق الرفيع، وأن لتمدُّد القبح أسبابًا خفيَّة تتجاوز ذاك التفسير الذي يعتبر انتشار الهواتف المحمولة الذكية بين أيدي الجميع هو السبب.
ثمة نظرية تُشير إلى نهاية العالم الذي كُنا نعيشه عام 2012م وانتقالنا إلى أحد العوالِم الموازية بعد أن ابتُلِع كوكب الأرض بواسطة أحد الثقوب السوداء بسبب إحدى التجارب الخطرة لمُنظمة "سيرن- المُختبر الأوروبي لفيزياء الجُسيمات"، وثمة نظريات أخرى كُلها تُشير إلى تدخلٌ خارجي يؤكد أن الخراب الذي نعيشه اليوم حدث ومازال يحدث "بفعل فاعل" لا بعفويَّة وتلقائيَّة، ومهما كُنتَ شخصًا عقلانيًا يرفضُ دائمًا مثل تلك النظريات؛ فلا بُد وأن تكونَ قد لا حظتَ أن شيئًا غريبًا يتجاوز حدود المنطق يحدث دون أن تكون السيطرة على تمرّده مُمكنة لنا نحن البشر العاديين، وإذا عُدتَ بالذاكرة إلى الوراء أعوامًا ستتجلى في ذهنك عشرات الصور التي تؤكد أن ما قبل 2012م على وجه التحديد ليسَ كما بعده.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: ما دورنا للحفاظ على ما تبقَّى مِنَّا؟ ما الذي بوسعنا فعله لحفظ آخر ما تبقى من القيم والأخلاق والمُثل العُليا والتفاصيل الراقية للجمال؟ لكُل منَّا دوره الذي مهما بدا صغيرًا يمكنه تبطِئة الخراب الزاحف زحفًا سريعًا على البشريَّة ما دمنا قادرين على الاتحاد معًا وعدم الاستسلام.
ماذا عنكم أيها الأصدقاء؟ هل لاحظتم بعض الأحداث العجيبة التي ملأت ألبابكُم بالتساؤلات والشكوك تجاه ما يحدُث؟ راسلونا مُفصحينَ عن أفكاركم وآمالكم ومخاوفكم بهذا الشأن.

