علي هامش تشجيع منتخب الفراعنة في كأس العالم
المصريون في أمريكا وكندا قوة ناعمة... كيف يمكن الاستفادة بها؟

انبهر العالم بأعداد المصريين في الخارج، وتحديدًا في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، خلال مباريات بطولة كأس العالم 2026. فقد حرص عشرات الآلاف من أبناء الجالية المصرية في أمريكا الشمالية على السفر والتنقل خلف منتخب الفراعنة، لمؤازرته وتشجيعه في مبارياته أمام منتخبات بلجيكا وإندونيسيا ونيوزيلندا وإيران وأستراليا.
وشهدت المدن المستضيفة للمباريات مشاهد استثنائية، حيث احتشد المصريون بأعداد غفيرة تجاوزت في كثير من الأحيان أعداد جماهير المنتخبات المنافسة، سواء في الشوارع الرئيسية، أو الميادين العامة، أو داخل الملاعب، في مشهد عكس مدى ارتباط المصريين بوطنهم واعتزازهم به رغم سنوات الاغتراب.
وأكدت هذه الحشود الكبيرة أن حب مصر يظل راسخًا في قلوب أبنائها أينما كانوا، وأن دعم المنتخب الوطني يمثل بالنسبة لهم مناسبة وطنية تجسد روح الانتماء والفخر والهوية المصرية، لتتحول مدرجات الملاعب وشوارع المدن الأمريكية والكندية إلى لوحات وطنية نابضة بالأعلام المصرية والهتافات الداعمة للفراعنة.
هذه الأعداد الغفيرة، التي أبهرت العالم بحجمها وبما أظهرته من حب وانتماء لمصر، لفتت الأنظار إلى قضية بالغة الأهمية، وهي: كيف يمكن لمصر الحبيبة والغالية والمباركة أن تستفيد من طيورها المهاجرة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا؟
حب مصر والهوية الراسخة في قلوب وضمير المهاجرين
لقد أثبتت هذه الجماهير أن حب مصر لا يزال متجذرًا في قلوب أبنائها بالخارج، وأن مشاعر الانتماء والعشق للوطن لم تتأثر بسنوات الغربة أو البعد الجغرافي. ولم يقتصر هذا الأمر على الجيل الأول من المهاجرين فحسب، بل امتد أيضًا إلى أبناء الجيلين الثاني والثالث، الذين ولد كثير منهم خارج مصر، ومع ذلك ما زالوا يعتزون بهويتهم المصرية ويفخرون بانتمائهم لوطن الآباء والأجداد.
وتضم الجاليات المصرية في أمريكا الشمالية نخبة متميزة من العلماء والأطباء والمهندسين ورجال الأعمال والأكاديميين والشخصيات العامة، الذين يتبوأ العديد منهم مناصب مرموقة ومؤثرة في مختلف المجالات. وهو ما يمثل ثروة بشرية واستراتيجية هائلة يمكن لمصر الاستفادة منها بصورة أكبر، من خلال تعزيز التواصل مع أبنائها بالخارج، والاستفادة من خبراتهم العلمية والاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسيرة التنمية وبناء مستقبل أكثر إشراقًا للوطن.
قوة وطنية ناعمة في أمريكا الشمالية .. تطوير الدور الدبلوماسي والقنصلي
لقد أكدت مشاهد الدعم الجماهيري غير المسبوقة لمنتخب مصر في كأس العالم 2026 أن المصريين في الخارج ليسوا مجرد جاليات تعيش بعيدًا عن الوطن، بل هم قوة وطنية ناعمة تمتلك إمكانات كبيرة، وتظل مصر حاضرة دائمًا في قلوبهم، أينما كانوا.
وعلى المستوى الدبلوماسي، تواصل القنصلية العامة المصرية في مونتريال، برئاسة سعادة السفير نبيل فتحي، القنصل العام، إلى جانب سفارة جمهورية مصر العربية في أوتاوا، العاصمة الكندية، برئاسة سعادة السفير أحمد حافظ، بذل جهود كبيرة ومقدرة لخدمة أبناء الجالية المصرية المنتشرين في مختلف الأقاليم الكندية العشرة.
كما تحرص البعثتان الدبلوماسيتان في أمريكا وكندا، في مختلف المناسبات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتجارية، على فتح قنوات للتواصل مع عدد من رموز وممثلي الجالية المصرية في المدن الكندية المختلفة.
ورغم هذه الجهود الإيجابية والمستمرة، والتي تحظى بتقدير واسع من أبناء الجالية، فإن هناك تطلعاً إلى توسيع دائرة التواصل لتشمل شريحة أكبر وأكثر تنوعاً من الشخصيات والكفاءات المصرية المقيمة في كندا، بما يعكس الحجم الحقيقي للجالية المصرية وتنوعها المهني والعلمي.
فالجالية المصرية تزخر بالعديد من الكفاءات والشخصيات العامة التي تتبوأ مواقع مرموقة في الجامعات الكندية، والمؤسسات الحكومية، والشركات الكبرى، فضلاً عن قطاعات حيوية أخرى، وهو ما يمثل رصيداً مهماً يمكن الاستفادة منه في تعزيز العلاقات المصرية الكندية وخدمة المصالح الوطنية.
الترقي الوظيفي والبعد عن السياسة .. قيادات للجالية تحظي بالثقة والقبول
ومن المعروف أن غالبية المصريين في كندا يركزون بصورة أساسية على مسارات النجاح المهني والاجتماعي، سواء في القطاعين الحكومي أو الخاص، وهو ما يفسر اهتمامهم الكبير بالبناء الاجتماعي والارتقاء الوظيفي أكثر من الانخراط المباشر في العمل السياسي، على عكس بعض الجاليات الأخرى، مثل الجاليات اللبنانية والسورية والهندية وجاليات أمريكا اللاتينية، التي تتمتع بحضور سياسي ومجتمعي أكثر اتساعاً داخل المجتمع الكندي.
لقد أثبتت الحشود الكبيرة، التي ضمت عشرات الآلاف من المصريين المقيمين في الولايات المتحدة وكندا، أن أبناء الجالية المصرية يمتلكون، من خلال التنسيق والعمل المشترك، قدرة حقيقية على تكوين ثقل وتأثير ملموسين في مختلف المناسبات السياسية والاجتماعية والثقافية والمجتمعية في البلدين.
كما أظهرت هذه التجربة أهمية وجود قيادات مجتمعية وشخصيات عامة تحظى بثقة أبناء الجالية، وتتمتع بالمصداقية والقدرة على التعبير عن تطلعاتهم، بما يسهم في توحيد الجهود وتعزيز الحضور المصري في المجتمعين الكندي والأمريكي.
وقد أكدت فعاليات كأس العالم وما صاحبها من تجمعات واحتفالات وطنية أن المصريين في المهجر، بمختلف انتماءاتهم الدينية، يقفون صفاً واحداً خلف منتخب بلادهم، باعتبار أن الهوية الوطنية المصرية تظل القاسم المشترك الذي يجمع الجميع، لأنهم جميعا مصريين (مسيحيين ومسلمين).
كيفية اختيار رموز للجالية تحظي بالقبول وتبحث عن تحقيق المصلحة العامة
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية أن تعكس القيادات والرموز المجتمعية، بما في ذلك رموز الجالية القبطية، الاتجاهات العامة والمصالح المشتركة لأبناء الجالية، وأن تعمل على تعزيز وحدتهم وخدمة قضاياهم في إطار من الشراكة الوطنية والتعاون البناء.
وبالفعل، هناك عدد من الشخصيات التي تتصدر المشهد العام باعتبارها من رموز وقيادات الجالية المصرية في كندا، إلا أن بعض أبناء الجالية يبدون ملاحظات وتحفظات تجاه أداء أو تمثيل بعض هذه الشخصيات، الأمر الذي يعكس وجود حالة من التباين في الرؤى، وربما عدم التوافق الكامل بشأن من يمكن أن يمثل الجالية المصرية بصورة شاملة، سواء في كندا أو الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن هنا، تبرز أهمية أن تتوافق الجالية المصرية على مجموعة من الرموز والشخصيات العامة التي تحظى بثقة قطاع واسع من أبناء الجالية، وتكون قادرة على بلورة رؤيتها المشتركة وتعزيز حضورها وتأثيرها داخل المجتمعين الكندي والأمريكي. فالمطلوب ليس الوصول إلى إجماع كامل، وهو أمر يصعب تحقيقه في أي مجتمع، وإنما التوافق على شخصيات تحظى بثقة غالبية أبناء الجالية وتمثل مصالحهم العامة بصورة موضوعية ومتوازنة.
كما ينبغي أن تعبر هذه الشخصيات، في مجملها، عن المصالح المشتركة للجالية المصرية بمختلف مكوناتها الدينية والمهنية والعمرية، بعيدًا عن المصالح الشخصية أو الاعتبارات الضيقة، بما يعزز الثقة بينها وبين أبناء الجالية.
التنسيق بين مختلق ممثلي ورموز الجالية
وفي هذا السياق، قد يكون من المفيد بحث آليات واضحة وشفافة لاختيار القيادات المجتمعية، سواء من خلال الانتخابات أو المؤتمرات العامة أو غيرها من الوسائل الديمقراطية، بما يسمح بظهور قيادات جديدة قادرة على تمثيل الجالية والتواصل الفاعل مع صناع القرار السياسي والاقتصادي والثقافي في كل من كندا والولايات المتحدة.
كما أن العديد من الجمعيات والتنظيمات التي تعمل باسم الجالية المصرية ما زالت بحاجة إلى مزيد من التطوير والتنسيق والتعاون فيما بينها، حتى تتمكن من توسيع نطاق تأثيرها على مستوى المقاطعات الكندية والولايات الأمريكية المختلفة. وقد يشكل تعزيز هذه المؤسسات وتوحيد جهودها نواة لقيام إطار مؤسسي أكثر تأثيرًا، يسهم في الدفاع عن مصالح أبناء الجالية، وتعزيز حضورهم في الحياة العامة، وزيادة قدرتهم على التأثير الإيجابي داخل المجتمعات التي يعيشون فيها.
ولا شك أن تحقيق هذا الهدف يتطلب حوارًا جادًا ومفتوحًا بين القيادات الحالية والشخصيات العامة وأبناء الجالية بمختلف فئاتهم، من أجل الوصول إلى رؤية مشتركة حول مستقبل العمل العام المصري في المهجر، وآليات اختيار قياداته، بما يخدم مصالح الجالية ويعزز وحدتها ودورها المجتمعي.
تطوير أداء الأشكال التنظيمية المعبرة عن مصالح الجالية
وفي الواقع، تركز غالبية الأنشطة التي تنظمها بعض الجمعيات والمؤسسات المحسوبة على الجالية المصرية في كندا، في معظمها، على الفعاليات الثقافية والترفيهية الهادفة إلى التعريف بالحضارة المصرية، ولا سيما الحضارة الفرعونية، إلى جانب الأنشطة الفنية والاجتماعية المختلفة، وهي جهود محل تقدير واحترام وتسهم في الحفاظ على الهوية الثقافية المصرية وتعريف المجتمع الكندي بها.
إلا أن المرحلة الحالية تفرض ضرورة توسيع نطاق هذه الأنشطة لتشمل مجالات أخرى لا تقل أهمية، من بينها تعزيز وعي أبناء الجالية المصرية بمختلف جوانب الحياة في المجتمعين الكندي والأمريكي، سواء من الناحية القانونية أو الثقافية أو السلوكية أو المتعلقة بسوق العمل والمشاركة المجتمعية والسياسية.
كما أن من المهم ألا يقتصر التواصل على العلاقة بين هذه الجمعيات والمؤسسات الدبلوماسية المصرية، ممثلة في القنصلية العامة المصرية في مونتريال والسفارة المصرية في أوتاوا، بل ينبغي كذلك بناء قنوات اتصال دائمة ومستمرة مع مختلف المؤسسات والمنظمات والجمعيات الأهلية الكندية، سواء على المستوى الفيدرالي أو على مستوى المقاطعات والأقاليم الكندية المختلفة.
ومن الأهمية بمكان أيضا تعزيز التواصل والتعاون مع المنظمات والجمعيات التي تمثل الجاليات الأخرى ذات الحضور والتأثير الواضحين في المجتمع الكندي، مثل الجاليات اللبنانية والسورية والمغربية والجزائرية، إلى جانب الجاليات الهندية والباكستانية والصينية وغيرها، بما يتيح تبادل الخبرات وبناء شراكات مجتمعية تسهم في تعزيز الحضور المصري داخل المجتمع الكندي.
قوة بشرية ونوعية كامنة لم تتم الاستفادة منها بعد
وفي هذا الإطار، شهدت كندا خلال السنوات الأخيرة تناميا ملحوظا في أعداد المتحدثين باللغة العربية نتيجة موجات الهجرة المتعاقبة القادمة من عدد من الدول العربية، الأمر الذي أسهم في تعزيز الحضور الثقافي والاجتماعي للناطقين باللغة العربية في العديد من القطاعات والمجالات المختلفة. ومن شأن هذا الواقع أن يتيح فرصا أكبر للتعاون والتنسيق بين الجاليات العربية بما يخدم مصالحها المشتركة ويعزز من حضورها وتأثيرها داخل المجتمع الكندي. مع مراعاة ان ترتيب اللغات بعد الانجليزية والفرنسية يتغير حسب موجات الهجرة.
وأيا كانت الظروف والمعطيات، فقد أثبتت مباريات المنتخب المصري في نهائيات كأس العالم التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، أن مصر تمتلك قوة بشرية ونوعية كبيرة داخل المجتمعين الأمريكي والكندي، تتمثل في أبناء الجالية المصرية من مسلمين ومسيحيين، الذين تجمعهم في المقام الأول الهوية الوطنية والانتماء العميق لوطنهم الأم.
وقد كشفت مشاهد الحشود الكبيرة من المصريين الذين حرصوا على السفر والتنقل خلف المنتخب الوطني لتشجيعه ومساندته، عن حجم الارتباط العاطفي والوجداني الذي لا يزال يربط المصريين المهاجرين بوطنهم، كما أظهرت وجود طاقات وإمكانات كبيرة داخل الجالية المصرية في أمريكا الشمالية يمكن الاستفادة منها مستقبلاً في خدمة مصالح أبناء الجالية، وتعزيز العلاقات المصرية مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا.
البحث عن أدوات وآليات برجماتية تحقق مصر الجالية ومصر
لعل هذه المناسبة سلطت الضوء على ثروة بشرية مصرية مهمة لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي من قبل، حيث أثبتت الجالية المصرية قدرتها على الحشد والتنظيم والعمل المشترك عندما تتوافر الأهداف الوطنية الجامعة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى التفكير في آليات وأدوات عملية وواقعية وبراجماتية للاستفادة من هذه الطاقات، بما يعزز الحضور المصري في المجتمعين الأمريكي والكندي، ويخدم المصالح المشتركة لمصر وأبنائها في الخارج.
ومن المهم علي الحكومة المصرية ربط الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين بمصر، حتي لو كانوا يتحدثون العربية بصعوبة ولا يجيدون قرأتها وكتابتها، لكنهم ورثوا عشق مصر الوطن والهوية، من خلال مجموعة من المزايا التي تقدمها الحكومة المصرية، مثل تخصيص أشهر معينة علي شركة الطيران الوطنية مصر للطيران للسفر إلي مصر بتخفيضات ملموسة مقارنة بباقي شركان الطيران المتجهة إلي مصر، لجذب أكبر عدد ممكن من المصريين في مصر وكندا، ويمكن تعويض هذه الخصومات من خلال النفقات التي سينفقها المهاجرين في مصر، من خلال التوصية باستخدام الفنادق والشركات المملوكة للحكومة أو لبعض الشركات ورجال الأعمال المتعاونين مع الحكومة، بحيث تعوض هذه الخصومات بطريقة غير مباشرة.
ويمكن التفكير في حزمة من الإجراءات والأمور التحفيزية لربط هذه الأجيال بمصر، لتسافر إليها وترتبط بها، بدلا من السفر إلي أمريكا أو كوبا أو المكسيك، الدول القريبة من كندا وأمريكا وتعتبر منتجعات سياحية قريبة جغرافيا.
ويذكر أن هذا المقال كُتب قبل وأثناء الاستعدادات لمباراة المنتخب المصري أمام نظيره الأسترالي، كما أن هناك محاور عديدة مستقبلية يمكن تطويرها من أجل الاستفادة من هذه القوة الناعمة، مع خالص الأمنيات والدعوات بأن يواصل منتخب الفراعنة مشواره الناجح، وأن يحقق الفوز والتأهل إلى الدور التالي من منافسات كأس العالم والفوز علي استرالي وتحقيق مجد وانجاز تاريخي، إدخالاً للفرحة إلى قلوب ملايين المصريين في الداخل والخارج، الذين يجمعهم حب مصر والاعتزاز برايتها في مختلف المحافل الدولية.

