جود نيوز الكندية

كرة القدم في الشمس والظل

-

كأس العالم في هذه الدورة من أمتع الدورات التي شاهدناها، مونديال تحطم فيه الأرقام القياسية، ويثبت أن كرة القدم هي متعة الكرة الأرضية، وكأس خمرها الذي يسكر بدون كحول، من أمتع الكتب التي قرأتها عن كرة القدم، بقلم مبدع وليس محللاً رياضياً، كتاب "كرة القدم في الشمس والظل"، للكاتب إدواودو غاليانو، وهو من أوروجواي، سأحاول عرض بعض مما قاله غاليانو في هذا الكتاب البديع،

ليست كرة القدم، في نظر إدواردو غاليانو، مجرد لعبة تُلعَب بالأقدام، ولا بطولة تُحصَد فيها الكؤوس، بل هي فن إنساني كامل، له لغته، وجمهوره، وذاكرته، وانكساراته. في كتابه «كرة القدم في الشمس والظل» يكتب غاليانو عن المستطيل الأخضر كما لو كان مسرحًا كبيرًا تُعرَض عليه أعظم مشاعر البشر: الفرح، الخوف، الخيانة، الأمل، والانتماء، ويرى غاليانو أن كرة القدم وُلدت كاحتفال بالجسد والخيال، لا كحساب رياضي للأهداف. اللاعب المبدع، في نظره، ليس من يركض أكثر، بل من يرى ما لا يراه الآخرون، من يخلق لحظة جمال عابرة تُدهش الآلاف في المدرجات والملايين خلف الشاشات.

لكن المأساة، كما يصفها، أن اللعبة كلما اقتربت من عالم المال، ابتعدت عن روحها الأولى، وتحولت من فن حر إلى صناعة صارمة تُعاقِب الخيال وتكافئ الانضباط الأعمى.

في عالم غاليانو، اللاعب الحقيقي هو فنان شارع دخل الملعب. لا يتبع كتيب تعليمات، بل يستجيب للحدس، ولإيقاع اللحظة. المراوغة ليست خدعة تقنية، بل فعل تمرد، والتمريرة الذكية ليست مهارة فقط، بل فهم عميق للجماعة.

لهذا يأسف غاليانو على زمنٍ صار فيه اللاعب “موظفًا” يخشى الخطأ أكثر مما يحلم بالدهشة، كرة القدم، كأي فن، لا تكتمل دون جمهور. لكن جمهور غاليانو ليس متفرجًا سلبيًا؛ بل شريكًا في المعاناة والفرح. الجمهور يلعب من المدرجات، يتألم مع كل فرصة ضائعة، ويحتفل وكأنه هو من سجل الهدف، هنا تتحول المباراة إلى طقس جماعي، أشبه بطقس مسرحي أو ديني، يُعيد للإنسان شعوره بالانتماء وسط عالم فردي قاسٍ.