جود نيوز الكندية

خواطر مسافر إلى النور (٢٤٣)

تعليق على الدعوة للمسيحية بقرب مدخل الجامع عند صلاة الجمعة في كاليفورنيا

-

خلق الله الإنسان ليدعوه أن يتبعه لينقله من جنة عدن في الأرض الي ملكوت الله في السماء لو قرر الإنسان أن يختار الله والاتحاد بمجال حياة الله والمرموز إليه في قصة الخلق بسفر التكوين بالأكل من"شجرة الحياة". تدخل الشرير ليفسد خطة الله، فتحول الإنسان للأكل من شجرة المعرفة ليصير مثل الله (وينافسه مثلما فعل الشيطان قبلا). فأرسل الله الأديان للإنسان بعد السقوط ليدعوه ثانية للرجوع إلي السماء. فتدخل الشرير مرة أخرى ليفسد هدف الله من الأديان، فصار هدف البشر من الأديان هو إرث الأرض وليس إرث السماء.

التبشير بدعوة الله في الأديان يظل جيدا طالما التزم بهدف الله من الأديان، وهو الفوز بالحياة الأبدية مع الله في السماء، وليس السيطرة على الأخرين باسم الله كما يريد الشرير، بحجة الدعوة الي الله والسماء

ظهرت مشكلة أمام التبشير باسم المسيح في صدر المسيحية (أصحاح 17 سفر أعمال الرسل) بين تابعي المسيح من الرسل من جهة، وبين طائفتين من البشر هما اليهود المفروض أنهم ينتظرون مجيء المسيح، والفلاسفة الباحثين عن الحق أينما كان

ولأن اليهود وقتها انحرفوا بالدين اليهودي عن هدف انتظار مجيء المسيح المخلص ليقودهم الي طريق السماء، فنجد إنهم اختاروا أن يتسلطوا على الأرض والبشر بحجة أنهم الفرقة الناجية التي اختصها الله بمعرفته قبل كل أحد

والنتيجة معروفة وهي اضطهاد اليهود للمبشرين المسيحيين الداعين الناس الي السماء وليس السيطرة على الناس باسم المسيح. ومن بعد الاضطهاد اليهودي كان الاضطهاد الروماني لأنهم ظنوا المسيحية أنها دعوة للمغالبة على الأرضيات.

أما الفرقة الأخرى الباحثة عن الحق، وكانوا وقتها فلاسفة اليونان، ولأنهم صادقين في البحث عن الحق والحقيقة أينما كانت. فنجدهم استمعوا لبولس والرسل دون عنف أو صراع. بل تحاوروا معهم دون أن يضطهدوهم، وبعضهم آمنوا.

وبناء على ما قلته، فإنه من الصعب الحكم علي دوافع المبشرين بالدين، هل هي خالصة لوجه الله والحياة الأبدية كما في المسيحية في نسختها الأصيلة، أم هي الحياة على الأرض والسيطرة الزمنية كما في الإسلام السياسي في استغلاله للإسلام في نسخته الربانية من جهة. أو في النسخة المشوهة من مسيحية الطوائف في الصراع فيما بينهم للسيطرة باسم المسيح، وبسبب صعوبة التفرقة بين الدوافع، كان من الأفضل الحفاظ على المساحة الخاصة في المجتمع لكل إنسان فيما يعتقده، إلا في أماكن البحث الأكاديمي أو المؤتمرات المتخصصة لمن يريد.

والحق يقال إن ما أنصح به لا يلتزم به الإسلام السياسي في سعيه الحثيث نحو السيطرة والإقصاء للغير حيثما تواجد، استغلالا للإسلام حتى صار ظاهرة عالمية تثير الحنق في الأخرين بسبب التعدي على هوية الإنسان التي اختارها. ولن اخجل من الأمثلة وأشهرها حتمية بناء جامع علي مسافة خطوات أمام باب كنيسة. وبالتالي بدأنا نخشى هل ستنتقل العدوي فينحرف التبشير بالمسيحية عن هدفه المسيحي المهتم بحياة السماء ليتحول إلى المعاملة بالمثل والمغالبة بالأديان في الأرض.