زيارة تاريخية للبابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا
رسائل أوروبية وإنسانية في خطاباته التي تدعو للسلام والمحبة

اختتم البابا ليون الرابع عشر زيارته التاريخية إلى فرنسا بمحطة أخيرة في مدينة ميتز شمال شرقي البلاد، حيث يترأس قداساً ختامياً بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وتأتي هذه الزيارة في ظل نقاشات سياسية وفكرية واسعة حول مستقبل أوروبا ودور الدين في المجال العام، بعدما شدد البابا في خطاباته على نبذ العنف باسم الدين وتعزيز الحوار والتعاون بين الشعوب. لمناقشة دلالات اختيار ميتز، وانعكاسات الزيارة على العلاقات بين الفاتيكان وفرنسا
أكد البابا لاون الرابع عشر، من مدينة ميتز الفرنسية، أنه "لا يمكن الحديث عن أوروبا من دون التطرّق إلى المسيحية"، مشددًا على أن الإرث المسيحي أسهم بعمق في تشكيل الحضارة الأوروبية، من خدمة الفقراء والمرضى والمسنين إلى التربية والجامعات والمستشفيات والعلوم والقانون.
وجاءت كلمته خلال لقاء "إلى جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة"، بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأساقفة فرنسا ورؤساء عدد من مجالس الأساقفة وممثلين عن المؤسسات، مؤكدًا أن استعادة أوروبا لجذورها لا تعني الانغلاق، بل إعادة اكتشاف القيم التي تقوم عليها كرامة الإنسان والحرية والديمقراطية والمساواة، مع الانفتاح على الحوار واللقاء مع الآخر.
وفي رسالة خاصة إلى الشباب، دعاهم البابا إلى تحمّل مسؤوليتهم في بناء المستقبل، قائلًا: "أحبّوا الحياة في كل لحظة، ولا تخافوا من المستقبل!"، وأضاف: "لا تخافوا من تأسيس عائلة، ومن إنجاب الأطفال"، وحثّهم على خدمة مجتمعاتهم، بما في ذلك الانخراط في العمل السياسي، وأن يكونوا بناة للجماعات المسيحية، مؤكدًا أن أوروبا، بجيل جديد راسخ الجذور، تستطيع أن تواصل ازدهارها وإلهام العالم.
وجّه البابا لاون الرابع عشر من مدينة ميتز الفرنسية رسالة إلى أتباع الأديان، مؤكدًا أن "استدعاء اسم الله لتبرير العنف أو القمع هو تدنيس لهذا الاسم"، وأن كل ما يشوّه كرامة الإنسان لا يمكن أن يدّعي إلهامًا إلهيًا. ودعا إلى أن يكون الخطاب الديني قوة سلام، تعمل باستمرار على "نزع السلاح من القلوب والكلام"، وأن ننظر إلى الآخر باعتباره "وعدًا لا تهديدًا".
وفي كلمته خلال اللقاء بين الأديان، شدّد البابا على أن عظمة الحضارات لا تُقاس بإنجازاتها المادية، بل بالطريقة التي تحمي بها الإنسان وترفع من شأنه، مؤكدًا أن الأديان مدعوة إلى أن تكون حارسة للحياة، حاضرة بمحبة إلى جانب الأكثر ضعفًا وهشاشة. ومن مدينة عرفت الحدود والانقسامات، دعا لاون الرابع عشر إلى تحويل الاختلاف إلى لقاء، والحدود إلى جسور، ليكون المؤمنون "صانعي سلام وشهودًا للرجاء" في عالم أنهكته الحروب والعنف
في مشهد إيماني مهيب، ترأس البابا لاون الرابع عشر صلاة المسبحة وتطواف المشاعل في مزار سيدة لورد، بمشاركة حشود من المؤمنين والحجّاج الذين ساروا حاملين الشموع ومرددين الصلوات والترانيم المريمية.
وقال البابا إن الرجاء هو "النور الذي يقودنا ويجذبنا"، فيما أضاءت آلاف الشموع المزار، وتوجّهت أنظار المؤمنين وقلوبهم نحو العذراء مريم، طالبين شفاعتها وحاملين إليها صلواتهم من أجل السلام والمرضى والمتألمين في العالم.
في لقاء إنساني مع المرضى ومرافقيهم في مزار سيدة لورد بفرنسا، وجّه البابا لاون الرابع عشر رسالة حاسمة دفاعًا عن كرامة الحياة البشرية، مؤكدًا أن قيمة الإنسان لا تتوقف على صحته أو قدراته، ولا يجوز لأي قانون أن ينتقص منها. ورفض إنهاء الحياة بحجة التعاطف مع المرضى، قائلًا: "من المستحيل اعتبار إنهاء الحياة أمرًا طبيعيًا. ما يقرّه القانون ليس بالضرورة أخلاقيًا".
ووجّه البابا نداءً إلى الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، داعيًا إياهم إلى رعاية الإنسان المتألم بدلًا من إنهاء حياته، وإلى تطوير الرعاية الملطفة ومرافقة المرضى بحنان. وفي رسالة حملت الكثير من المحبة والرجاء، خاطب المرضى قائلًا: "أنتم لستم عبئًا، بل أنتم قلب إنسانيتنا النابض، وكنز ثمين للكنيسة»، مؤكدًا أن الضعف لا ينتقص من كرامة الإنسان، وأنه لا يوجد أحد غير مرئي في عيني الله.
جّه البابا لاون الرابع عشر رسالة واضحة إلى أساقفة فرنسا، مؤكدًا أن التعليم الكاثوليكي لا يستطيع، بأي حال من الأحوال، التخلّي عن مشروعه التربوي المرتكز على المسيح، والهادف إلى تنمية الإنسان روحيًا وثقافيًا وفكريًا وأخلاقيًا واجتماعيًا. وشدّد على أنه لا ينبغي أن يستغرب أحد إتاحة الفرصة للطلاب داخل المؤسسات الكاثوليكية للقاء يسوع المسيح والإصغاء إلى كلمته.
وفي الوقت نفسه، أكد البابا أهمية انفتاح المدارس الكاثوليكية على الطلاب الذين لا يشاركونها إيمانها، مع الاحترام الكامل لحرية الضمير، مشددًا على أن الانفتاح لا يتعارض مع المحافظة على الهوية المسيحية. ووجّه رسالة لافتة بشأن حرية الإيمان داخل المدارس، قائلًا: "يجب ألا يجد أي تلميذ نفسه مهمّشًا في صفّه لمجرد أنّه يؤمن بيسوع".

