جود نيوز الكندية

في سنغافورة: اقرأ تكسَب مالاً!

-

كُل ثوابٍ أو عقابٍ يرتبطُ بالمال لا بُد وأن يصل إلى نتيجة حقيقية ملموسة تستحق الاهتمام، ومع وافر الاحترام للمُكافآت المعنويَّة إلا أنها ستتداعى خاسِرة دون شك في أي مُنافسة بينها وبين مُكافأة ماليَّة يتعزز بنيلها شهورهم بالظفر والنجاح مُقارنة بتلكَ الـ "معنويَّة" التي قد يكون الحصول عليها مجانًا مُمكِنًا من أي مكان.. "سنغافورة" الشهيرة بسياساتها الذكيَّة الشهيرة برحلة صعود استثنائيَّة من حضيض الفقر والمُعاناة من البطالة ونقص المساكِن عام 1965م إلى سماوات الثراء في غضون خمسينَ عامًا فقط أدركَت قيمة "الاستثمار في الإنسان" منذ مرحلةٍ مُبكرة، قررت أن تُطلق حركة وطنيَّة للقراءة تمتد خمسة أعوام بدءًا من سبتمبر 2026م، والمُدهش في تلك المُبادرة الرسميَّة هي أن المواطِن المُشارك في تحدي القراءة سيفوز بعائد مادي مُقابل كل 15 دقيقة يستمتع خلالها بالغوص بين صفحات الكتُب يوميًا!

كل 15 دقيقة تؤهل القارئ للحصول على 20 عملة افتراضيَّة، لا بُد من جمع 1000 عُملة افتراضيَّة للحصول على دولار سنغافوري واحد، ما يحث الفرد على استمراريَّة القراءة فترات أطوَل على أمل كسب المزيد من المال، ماذا لو وقع الشخص في غرام القراءة وأدمَنَها وغدَت هواية يوميَّة تلتهم الساعات دون شعورٍ بالوقت؟ سُرعان ما ستتحول آلاف الدقائق من الاستمتاع بلذّة المُطالعة إلى عُملات في اتحادٍ نادر بين إشباع العقل وإشباع المحفظة!

مهما كانت المُكافأة صغيرة تظل مُبادرة استثنائيَّة ونادرة في عصرٍ كل ما فيه يستهين بقراءة الكتُب ويستهتر بأهميتها مقابل أطنان النفايات التي يستقبلها العقل يوميًا عن طريق وسائط التواصل الاجتماعي والفيديوهات القصيرة التي غدا أي جاهل قادر على صنعها ونشرها دون مجهود يُذكر، الإغراء المادي بالقراءة هو نُقطة نِظام تحاول إعادة البشر إلى صوابهم والمُحافظة على بقايا عقولهم من مخاطر التعفّن ثُم الفناء.

عُشاق البحث عن كنوز المعرفة أقل من عُشاق الانجراف نحو مُستنقعات الجهل في كُل زمان، لكن حين يتحوّل المُتعلّمين إلى مستوردين لصناعة ومُصدّرين لها بذريعة أن "الهاتف المحمول" صار يُغني اليوم عن كُل مصادر الثقافة والتي يتربع الكتاب الورقي على عرشها سيكون من السهل قيادة تلك الجموع الراضية على نفسها بالتحوّل إلى قُطعان نحو الهاوية.

تُرى.. ما مدى نجاح تطبيق التجربة السنغافوريَّة في مُجتمعاتٍ أُخرى يُجاهد أفرادها – آباء وأبناء- بأن السبب الوحيد لتنافسهم على مقاعد الجامعات هو ضمان الحصول على وظيفة لا أكثر؟ ألن يكون المال إغراءً كافيًا لدفع كثيرين للتوغّل في مجاهِل الثقافة المُهملة؟