انتخابات كيبيك التشريعية في 5 أكتوبر 2026:
سباق مفتوح وقضايا ساخنة والحزب الكيبيكي الأوفر حظا في الاستطلاعات
تدخل كيبيك المرحلة الأخيرة من الانتخابات التشريعية وسط منافسة سياسية مفتوحة، هذه الأيام، أواخر شهر سبتمبر 2026، في وقت تتجه فيه انظار الناخبين الى خمسة أحزاب رئيسية تتنافس على تشكيل الحكومة المقبلة، بينما تحتل قضايا الصحة والسكن وتكاليف المعيشة والهجرة والاقتصاد واللغة الفرنسية والعلاقة مع الحكومة الفيدرالية مساحة واسعة من النقاش العام.
ومن المقرر ان يتوجه الناخبون في جميع انحاء المقاطعة الى صناديق الاقتراع يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 لانتخاب 127 نائبا في الجمعية الوطنية، التي تمثل برلمان إقليم كيبيك. وقد بدأت الحملة الانتخابية رسميا في 27 أغسطس الماضي، وتضم قائمة الناخبين نحو 6.4 ملايين ناخب. كما تجري هذه الانتخابات وفقا لخريطة انتخابية جديدة تضم 127 دائرة.
وتكتسب الانتخابات الحالية أهمية خاصة في ظل رغبة شريحة واسعة من الناخبين في رؤية تغيير سياسي، بالتزامن مع استمرار المنافسة بين عدد من الاحزاب على أصوات الناخبين المترددين، الأمر الذي يجعل الأسابيع الأخيرة من الحملة مهمة بصورة خاصة. وتجري الانتخابات والجريدة ماثلة للطبع.
خمسة احزاب في مواجهة سياسية مفتوحة
يشارك عدد من الاحزاب في الانتخابات، لكن المنافسة السياسية الرئيسية تدور حول الحزب الكيبيكي، وتحالف مستقبل كيبيك "كاك"، والحزب الليبرالي في كيبيك، وحزب المحافظين في كيبيك، وكيبيك سوليدير.
ويقود بول سان بيير بلاموندون الحزب الكيبيكي، الذي يضع مسألة مستقبل كيبيك السياسي والسيادة في صلب مشروعه السياسي، الى جانب الدفاع عن اللغة الفرنسية والهوية الكيبيكية. كما يطرح الحزب مواقف واضحة بشأن الهجرة ومستوياتها، ويربط بين القدرة الاستيعابية للمجتمع والخدمات العامة والسكن.
اما تحالف مستقبل كيبيك CAQ فتقوده كريستين فريشيت، التي تتولى رئاسة الحكومة خلال هذه الانتخابات. ويخوض الحزب المعركة دفاعا عن سجله الحكومي، مع التركيز على الاقتصاد والخدمات العامة والصحة والهجرة والدفاع عن صلاحيات كيبيك داخل الاتحاد الكندي.
وفي صفوف الحزب الليبرالي في كيبيك PLQ، يقود شارل ميليار الحملة، مع تركيز على الاقتصاد والصحة والتعليم والسكن والقدرة الشرائية. ويسعى الحزب الى استعادة مساحة سياسية اكبر في مختلف مناطق المقاطعة، مع الاعتماد بصورة خاصة على حضوره التاريخي في مونتريال والمناطق المحيطة بها.
ويقود حزب المحافظين في كيبيك PCQ الزعيم إريك دوهايم، ويطرح الحزب برنامجا يركز على تقليل حجم الدولة والانفاق الحكومي والضرائب، وتعزيز دور القطاع الخاص، الى جانب مواقف اكثر تشددا في ملفات الهجرة والهوية وبعض القضايا الاجتماعية. ويحقق الحزب تقدما ملموسا علي أرض الواقع وله حاليا نائبا واحدا يتوقع أن يزيد في أحسن الأحوال إلي حوالي 15 نائبا في الجمعية الوطنية.
اما كيبيك سوليدير QS، فتقوده روبي غزال، ويضع الحزب قضايا السكن والعدالة الاجتماعية والبيئة والخدمات العامة وتقليل الفوارق الاقتصادية في مقدمة اهتماماته، مع حضور انتخابي ملحوظ خصوصا في بعض الدوائر الحضرية.
وهكذا يجد الناخب الكيبيكي نفسه امام خيارات سياسية مختلفة بوضوح في عدد من الملفات، من حجم الدولة والانفاق الى الهجرة والهوية والعلاقة مع اوتاوا.
جوهر القضايا الانتخابية: الصحة والسكن والهجرة وتكاليف المعيشة
اذا كانت الانتخابات السابقة قد دارت حول عدد من القضايا السياسية والاقتصادية الكبرى، فان الانتخابات الحالية تضع القضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطن في مقدمة الاهتمام.
وتأتي الصحة والخدمات الاجتماعية في مقدمة هذه الملفات. ويشمل النقاش الوصول الى طبيب الاسرة، خدمات الخط الاول، اقسام الطوارئ، العمليات الجراحية، الصحة النفسية، الرعاية المنزلية، وخدمات كبار السن، الى جانب مستقبل ادارة النظام الصحي في كيبيك.
ويأتي السكن في المرتبة نفسها من حيث اهمية النقاش العام. فارتفاع اسعار العقارات والايجارات ونقص الوحدات السكنية وارتفاع تكلفة الاقتراض جعلت قضية السكن حاضرة بقوة في برامج الاحزاب. ويتجاوز النقاش مجرد بناء وحدات جديدة ليشمل السكن الاجتماعي، حماية المستأجرين، وتسهيل امتلاك المسكن، خصوصا بالنسبة الى الشباب والعائلات ذات الدخل المتوسط.
اما الهجرة فهي من اكثر الملفات حساسية في الحملة الانتخابية. ويدور النقاش حول اعداد المهاجرين الدائمين والمؤقتين، وطالبي اللجوء، والفرنسة، وقدرة كيبيك على توفير الخدمات والسكن واستيعاب النمو السكاني. وتختلف الاحزاب بصورة واضحة في رؤيتها لمستويات الهجرة المقبولة والسياسات التي ينبغي اتباعها.
كما تشكل تكلفة المعيشة والقدرة الشرائية محورا رئيسيا. فارتفاع اسعار المواد الغذائية والسكن والخدمات، الى جانب الضرائب ومستوى الدخل، يجعل الناخبين اكثر اهتماما بالاجراءات التي يمكن ان تؤثر مباشرة في ميزانية الاسرة.
ويأتي الاقتصاد والوظائف والاستثمار ضمن الملفات الاساسية ايضا، خصوصا في ظل المنافسة على جذب الاستثمارات وتحسين الانتاجية ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وفي الخلفية يظل ملف اللغة الفرنسية والهوية الكيبيكية حاضرا بقوة، الى جانب النقاش حول علاقة كيبيك بالحكومة الفيدرالية وحدود صلاحيات المقاطعة. وتزداد اهمية هذه الملفات في انتخابات تشهد حضورا قويا لقضايا الهوية والهجرة والفرنسة.
ماذا تقول استطلاعات الرأي؟
تعطي استطلاعات الرأي صورة متغيرة للمشهد السياسي، لكنها لا يمكن ان تعتبر توقعا لنتيجة الانتخابات. ووفقا لأحدث استطلاع ليجيه Leger المنشور في سبتمبر، حصل الحزب الكيبيكي على 29% من نوايا التصويت بين الناخبين الذين حددوا اختيارهم، مقابل 23% لتحالف مستقبل كيبيك، و22% للحزب الليبرالي، و15% لحزب المحافظين، و10% لكيبيك سوليدير. وهذا قبل المناظرة الأخيرة التي تجري بين قادة الأحزاب الخمسة مساء الأربعاء الموافق 23 سبتمبر.
وكان استطلاع ليجيه السابق في بداية سبتمبر قد اعطى الحزب الكيبيكي 29%، وتحالف مستقبل كيبيك 24%، والحزب الليبرالي 22%، والمحافظين 15%، وكيبيك سوليدير 10%.
وتظهر نتائج استطلاع اخر اجرته Pallas Data في 5 سبتمبر صورة قريبة: 29% للحزب الكيبيكي، و24% لتحالف مستقبل كيبيك، و20% للحزب الليبرالي، و15%للمحافظين، و11% لكيبيك سوليدير.
وتشير هذه الارقام الى وجود فارق بين الحزب المتصدر والاحزاب التالية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن منافسة قوية على المراتب التالية، وعن مساحة مهمة للناخبين الذين لم يحسموا اختيارهم نهائيا.
وفي استطلاع ليجيه المنشور في 8 سبتمبر، قال 60% من المشاركين انهم يرغبون في تغيير الحكومة وقيادة جديدة للمقاطعة، مقابل 18% فضلوا استمرار الحكومة في السلطة. كما اظهر الاستطلاع ان 56% من الناخبين الذين حددوا خيارهم اعتبروا قرارهم نهائيا، وهي نسبة ارتفعت مقارنة بأشهر سابقة.
الحاجة لتعديل النظام الانتخابي ليصبح أكثر عدالة وتعبيرا عن التصويت
لكن قراءة استطلاعات الرأي في كيبيك تحتاج الى قدر من الحذر، لان النظام الانتخابي يعتمد على 127 دائرة انتخابية، ويفوز في كل دائرة المرشح الذي يحصل على اكبر عدد من الاصوات. ولذلك فان نسبة التصويت على مستوى المقاطعة لا تتحول بصورة مباشرة الى عدد مقاعد في الجمعية الوطنية.
كما ان استطلاعات الرأي تقيس موقف الناخبين في اللحظة التي اجريت فيها، وقد تتغير النتائج مع المناظرات والحملات والاخبار السياسية والتطورات التي تقع خلال الاسابيع الاخيرة.
5 أكتوبر... يوم الحسم وأيام الانتخابات المبكرة
مع اقتراب يوم الاقتراع، تنتقل المعركة من مرحلة عرض البرامج الى مرحلة محاولة اقناع الناخبين المترددين وتحويل التأييد الى اصوات فعلية.
وبحسب هيئة الانتخابات في كيبيك، يمكن للناخبين التصويت في مكتب مدير الانتخابات يومي 25 و26 سبتمبر، وكذلك من 29 سبتمبر الى 1 أكتوبر، بينما يجري التصويت المبكر يومي 27 و28 سبتمبر. اما يوم الانتخابات العام فهو الاثنين 5 أكتوبر. كما يمكن للناخبين تسجيل أنفسهم او تعديل بياناتهم في قائمة الناخبين حتى 1 أكتوبر.
وتكتسب الأيام الأخيرة أهمية خاصة بالنسبة الى الاحزاب، ليس فقط بسبب المنافسة على الاصوات، ولكن ايضا بسبب المعارك المتقاربة في عدد من الدوائر. فكل مقعد يمكن ان يكون مؤثرا في تشكيل الحكومة المقبلة، خصوصا في ظل وجود خمسة احزاب قادرة على الحصول على دعم انتخابي في مناطق مختلفة من المقاطعة.
ومع استمرار النقاش حول الصحة والسكن والهجرة والقدرة الشرائية والاقتصاد واللغة والهوية، تبدو انتخابات كيبيك 2026 اختبارا سياسيا مهما للناخبين وللاحزاب على حد سواء.
وفي الخامس من أكتوبر، لن يكون السؤال فقط حول الحزب الذي سيحصل على اكبر نسبة من الاصوات على مستوى المقاطعة، بل حول الكيفية التي ستتوزع بها هذه الاصوات على 127 دائرة انتخابية، ومن ثم شكل الجمعية الوطنية والحكومة التي ستقود كيبيك خلال السنوات المقبلة.
ويبقى القرار النهائي في يد الناخبين، فيما ستظل استطلاعات الرأي مجرد لقطة للمشهد قبل فتح صناديق الاقتراع.


