وزير التعليم يخاف الفلسفة
كانت أولى قرارات وزير التعليم لتطوير التعليم هي إلغاء الفلسفة وجعل الدين مادة تدخل في المجموع !!، وضع وزيرنا الفلسفة في قفص الاتهام وقال ما فائدتها؟ هل سيحتاجها الطبيب أو المهندس؟ لماذا نحشو رأس الطالب بأفلاطون وديكارت وكانط؟ والسؤال نفسه يكشف المشكلة فالوزير اختزل التعليم في تخريج موظف يعرف «كيف يعمل»، بينما الفلسفة تحاول أن تصنع إنساناً يعرف أيضاً: لماذا؟ وكيف عرفت؟ وهل ما تقوله صحيح؟، الفلسفة ليست مادة لتعليم الطالب ماذا يفكر، وإنما تدريب على كيف يفكر. الفرق بين الجملتين هو الفرق بين العقل والتلقين. عندما يسأل الطالب: ما الدليل؟ هل النتيجة تترتب فعلاً على المقدمات؟ هل هناك تفسير آخر؟ هل أخلط بين الارتباط والسببية؟ فإنه يمارس الفلسفة حتى لو لم ينطق باسم أرسطو.
يا معالي الوزير سأقول لك لماذا نحتاج الفلسفة اليوم أكثر من الأمس؟ لأن الطالب الذي كان يخشى في الماضي معلومة خاطئة في كتاب، يعيش اليوم وسط إعصار من المعلومات: فيديو مزيف، نظرية مؤامرة، داعية واثق، مؤثر صحي يبيع الوهم، وخوارزمية تعرف كيف تؤكد تحيزاته. وفي عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد المشكلة أن تحصل على إجابة؛ الآلة ستعطيك ألف إجابة في ثانية. المشكلة الحقيقية أصبحت: كيف تحاكم الإجابة؟
لذلك فإن حذف الفلسفة أو تهميشها ليس تخفيفاً لحمل الطالب، بل نزع لجهاز المناعة الفكري من عقله. نحن لا نريد من طالب الثانوية أن يحفظ أن «ديكارت قال كذا» ليكتبه في ورقة الامتحان ثم ينساه أمام باب اللجنة. نريده أن يخرج وقد أصابته عدوى ديكارت الخطيرة: أن يشك قبل أن يصدق، ويسأل قبل أن يردد، ويطلب الدليل قبل أن ينضم إلى القطيع.
فالرياضيات تعلمه أن يحسب، والفيزياء تعلمه كيف تتحرك الأشياء، والكيمياء ممَّ تتكون، والأحياء كيف تعمل الحياة؛ أما الفلسفة فتضع أمامه السؤال الذي لا يستطيع أي مجتمع حر الاستغناء عنه، أقول لك لماذا سيادتك تخاف من الفلسفة. ليس لأنها تعلم أبناءنا الإجابات، بل لأنها تعلمهم فن السؤال.


