الغش ”المتدين”.. وقيم المجتمع المقلوبة
"غَش" أو "غَشش" فهو غشاشا وغاشا، عندما كنت صغيرة علمني والدى أمرا هاما عندما كنت بالصف الرابع الابتدائي، ألا اغش حتى لا اخذ مجهودا لم اتعب فيه، ولا اغش حتى لا يأخذ غيري مجهودي، وكما يقولون "في الامتحان... يكرم المرء أو يهان" هكذا عشت وتربيت، وحتى عندما كنت اسمع إجابة سؤال ما، حتى وان كانت الإجابة مختلفة عما كتبته كنت أتمسك بما كتبت، لان ما كتبته هو ما ذاكرته هو ما استحق ان أُحاسب عليه، ولم اكن لوحدي هكذا فقد كان كثيرون يفعلون بالمثل، لا يغشون ولا يغششون، وعلى الجانب الأخر أيضا كان النقيض كان هناك من يغش وكان هناك من يغشش، وكان هناك فئة أخرى تسمى "اللئيم" وهو الذى يغشش بإجابة خاطئة، حتى يكون هو الوحيد الذى معه إجابة صحيحة، وكأنه يعاقب الذي غششه على خيبته. هكذا كانت الامتحانات والحياة بالنسبة لنا من الابتدائية حتى الجامعة.
حتى انقلبت الآية تماما الآن، فأصبحنا نرى أولياء الأمور يجلسون خارج اللجان بالمايكات او يصرخون بالصوت العالي بالإجابات، وكان أشهرها فيديو على مواقع التواصل " النحو.. الإجابة الأولى ..منادي يا بت" قبل موضوع "البابل شيت"، ثم تطور الأمر الى زراعة سماعات الأذن الصغيرة، وطبعا كله بعلم أولياء الأمور بل بسعيهم أيضا، حتى إن هناك جروبات تباع فيه تلك السماعات علنية مطلقين عليها "سماعات اذن الثانوية" دون أي خشية من عقاب.
تطور الأمر أيضا الى أمد ابعد حيث يطالب أولياء الأمور بلجان اقل جدية والتزام وشدة، و يحسبنون على المراقبين الذين لا يسمحون بالغش، كما لو كان الغش هو الأساس. فما يحدث هو حرفيا تجسيد لفيلم "برشامة" الذي يعتبر من الأفلام الواقعية بمعنى الكلمة والذي ناقش موضوع الغش الجماعي بموضوعية هائلة.
ثانية أؤكد لكم ان من يفعل ذلك ليس الطلبة بل أولياء الأمور الذين من المفترض ان يكونوا قدوة لأولادهم يطالبون بان تكون اللجان سهلة والامتحان عبارة عن حصة للحل الجماعي... أفلا تعقلون؟!
لقد اختلط الحابل بالنابل، واليمين باليسار، والصواب والخطأ، بينما يحافظون على تدينهم الخارجي، من حجاب ونقاب وأدعية، فتلك – بالنسبة لهم- نقرة وتلك نقرة أخرى... وأين الخوف على قيم المجتمع، تلك التهمة الجاهزة لكل مختلف أو مختلفة في الرأي أو الفكر أو المظهر، دعونى أسألكم انا تلك المرة: أين قيم ومبادئ الأسرة المصرية التي تؤكد عن الإسلام "من غشنا فليس منا"، وعن المسيحية سفر الأمثال (١١: ١): «مِيزَانُ الْغِشِّ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ، أَمَّا الْوَزْنُ الْوَافِي فَرِضَاهُ».
والسؤال الأصعب والأهم: من هم هؤلاء طلبة اليوم "الغشاشون" هم طبيب ومهندس وصيدلي ومحامي الغد، ماذا سيفعل عندما يكبر وينضج ويتزوج، ان كان أهله لم يربوا فيه عدم الغش، فكيف سيربي أبناؤه، كيف لا يغش في الميزان، كيف لن يغش في تركيبة الدواء، كيف لا يغش في الاتعاب... الخ، فالغش منهج، والتربية الصالحة منهج أيضا، وعلينا ان نختار إن أردنا العيش في بيئة صحية ومجتمع عادل علينا ان نبدأ بأنفسنا تجاه أبنائنا في هذا الجيل... ولنعود الى وصية أبي "لا تغش... ولا تغشش".


