جامعات النهي عن المنكر برعاية الأنبا بولس: رسامة كاهن جديد ونغمات السماء لكورال ”هوس إيروف” في إيبارشية شرق كندا هل الرجعية العربية هي مصدر الإرهاب واضطهاد الأقباط فى مصر؟! السوشيال ميديا... ومرض ”الترند” أحلام يقظة... تفاصيل آخر يوم في فترة سيادة الرئيس لماذا أصبحَت الحياة أصعَب؟ ”خمارة الخواجة يني” فهل المسيح ينتزع حبه وقد أعطاه ؟ بلايا الصديق نار الحب الإلهي (٢) منظر رائع مأخوذ من احدي شقق تورونتو علي ضوء اكتمال القمر انسحاب أمريكا من CUSMA سيكلف كندا 402 مليار دولار و163 ألف وظيفة سنوياً

نار الحب الإلهي (٢)

في العدد سابق تكلمنا عن محبة الله للإنسان، وكلما ازداد الإنسان اتحادا بمحبة الله، ازداد إدراكا لعظمته الحقيقية. في هذا المقال نلمس جانبا آخر من محبة الله وهو صلاح الله المطلق.  فالله صالح، ليس بمعنى أنه يفعل أشياء صالحة من حين إلى آخر، بل أن الصلاح هو من جوهر كيانه. الله لا يمكن أن يكون صالحًا وشريرًا في الوقت نفسه، ولا أن تتبدل محبته بحسب ظروف الإنسان. لذلك يعلن الكتاب المقدس: «كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلا ظِلُّ دَوَرَانٍ» (يعقوب 1: 17). فالله لا تتغير طبيعته عندما تتغير حياتنا؛ ولا يتحول الآب المحب إلى مصدر للألم لمجرد أننا دخلنا في ضيقة.

ولهذا يضع يعقوب حدًا لاهوتيًا واضحًا: «لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ الله... لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لا يُجَرِّبُ أَحَدًا» (يعقوب 1: 13). الشر ليس هدية من الله، والمرض ليس دليلًا على أن قلب الآب قد امتلأ قسوة تجاه أولاده. نحن نعيش في عالم دخل إليه الموت والفساد والانكسار بسبب الخطية، ولذلك يقول بولس إن «كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ» (رومية 8: 22). لكن وسط هذا الأنين لا يقف الله متفرجًا؛ بل يدخل إلى عمق ألم الإنسان، ويحمل معه عمل الخلاص.

والبرهان الأعظم على صلاح الله هو المسيح نفسه. فالله لم يعلن محبته بالكلمات فقط، بل «بَيَّنَ اللهُ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا» (رومية 5: 8). الصليب يكشف أن الله لا يقف بعيدًا عن آلام الإنسان، بل يدخل إليها ليخرج الإنسان منها إلى الحياة. ولذلك لا ينبغي أن نقرأ الضيقة باعتبارها رسالة تقول: «الله ضدك»، بل باعتبارها موضعًا يستطيع الله فيه أن يعلن: «أنا معك». «إِنْ عَبَرْتَ فِي الْمِيَاهِ فَأَنَا مَعَكَ... إِذَا مَشَيْتَ فِي النَّارِ فَلا تُلْذَعُ» (إشعياء 43: 2).

وهنا تظهر عظمة صلاح الله: الله لا يحتاج إلى أن يصنع الشر لكي يصنع الخير. قد يسمح بأن يعبر الإنسان في ظروف مؤلمة في عالم مكسور، لكنه لا يترك

الضيق يملك عليه. بل يعمل وسط كل شيء لكي يقود الإنسان إلى الخير والخلاص والنضج. ولهذا يقول الرسول: «نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ» (رومية 8: 28). لاحظ أن الآية لا تقول إن كل شيء في ذاته خير، بل إن الله قادر أن يعمل حتى وسط الأشياء المؤلمة ليصنع خيرًا أعظم. والغاية النهائية ليست مجرد راحة الإنسان، بل أن «يَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ» (رومية 8: 29).

وهذا يتفق مع الفكر الآبائي. فالقديس يوحنا ذهبي الفم يميز بوضوح بين الضيقة وبين عمل الله، مؤكدًا أن الضيق، عندما يواجهه الإنسان متكلًا على الله، لا يستطيع أن يهزمه، بل يمكن أن يصير وسيلة لتقوية النفس وتثبيتها. وفي حديثه عن الألم يقول إن الضيقة لا تهدم الإنسان في ذاتها، وإنما الذي يهدمه هو الخمول وعدم اليقظة؛ أما معونة الله فتمكّن الإنسان من الوقوف حتى وسط أعنف التجارب.

ويؤكد القديس أغسطينوس أن كل ما هو صالح يرجع في مصدره إلى الله الصالح وحده؛ فليس هناك شر يمكن أن ننسبه إلى طبيعة الله نفسها.  ومن هنا نفهم سر الإيمان المسيحي: عندما يمرض الإنسان، لا نحتاج أن نقول إن الله أصبح فجأة عدوًا له؛ وعندما تضيق به الحياة، لا يعني ذلك أن محبة الله قد انسحبت منه. قد لا نفهم لماذا الضيقة، لكننا نستطيع أن نعرف مَن هو الله وسطها: هو الآب الصالح، والحاضر، والمحب، والذي لا يترك أولاده للشر.

إن صلاح الله أعظم من أن يُقاس بسهولة الحياة. فالمسيحي لا يقول: «الله صالح لأنني لم أتألم»، بل يقول: «الله صالح حتى عندما أتألم، لأنه لا يتركني للألم، ولا يسمح أن تكون الضيقة هي كلمتي الأخيرة». ولهذا يختم بولس بانتصار عظيم: «فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا» (رومية 8: 37). الله صالح جدًا، ومحب جدًا، وصلاحه لا يضع الإنسان تحت الضيق، بل يعمل في داخله حتى يخرج الإنسان من الضيق أكثر ثباتًا، وأكثر قربًا، وأكثر شبهًا بالمسيح.

عزيزي القارئ ... إن نقطة الانطلاق الأولي للتفكير في أي معضلة او ضيق تمر به هو أن الله صالح. آمن فقط ان الله صالح وسترى الأمور بشكل مختلف. فالله

ليس مصدرا للشر او للمرض فلا يوجد مثلا ما يدعي مرض الفردوس كما يزعم البعض. فمنطقيا إن كان هناك مرضا للفردوس اذا لماذا جاء المسيح؟ انني أدعوك عزيزي أن تتلامس مع نار الحب الإلهي لتري وتعاين صلاح الله المطلق.