ارتفاع الحد الأدنى للأجور في أونتاريو إلى 17,20 دولار في الساعة في أول أكتوبر أطفالنا أولا.. فورد: الالتحاق بجامعات أونتاريو يقتصر على أبناء المقاطعة فقط بعض المشاهد واللحظات المميزة اثناء الكسوف الكلي للشمس في أونتاريو كندا تدين الهجوم الإسرائيلي على عمال الإغاثة في غزة وترد على نتنياهو المدافعون عن إسرائيل يطالبون من المحكمة الفيدرالية وقف التمويل الكندي للأونروا مظاهرات مؤيدة لفلسطين في وسط تورنتو بمناسبة (يوم القدس) مجالس مدارس أونتاريو تقاضي وسائل التواصل الاجتماعي إثيوبيا تستفز مصر مجدداً: سد النهضة سيحل لكم أزمة الكهرباء! شبح الحرب الأهلية.. أزمة في لبنان بعد قتل سوريين لقيادي في الحزب المسيحي التخلي عن أراض لروسيا.. أبرز ملامح خطة ترمب لإنهاء حرب أوكرانيا ”نهاية العهد”.. كيف يستعد الفاتيكان لعصر ما بعد البابا فرانسيس؟ مصر.. أقل معدل نمو زيادة سكانية خلال 50 عاما

وجدت شيئاً ... فقالوا لي خذ هذه!!

وقف الرئيس المصري حفظه الله منذ أيام، وقال موجها حديثه للجمهور: " لقيت أي حاجة وقالولي خد دي" ... بالطبع مرت الجملة مرور الكرام، فنحن شعبا نعيش كأخوة حاكم ومحكوم، واعتدنا على تصريحات رئيسنا المحبوب التي تعكس خفة ظل المصريين، وشهامة وكرم أخلاق ما نسميهم بولاد البلد، أي سكان المناطق الشعبية والأحياء العتيقة التي يتخطى عمر العديد منها آلاف السنين..

أما ما جعلني اهتم بكتابة هذا المقال، أن تلك الجملة قد استوقفت أحد أصدقائي الماليزيين الذي أتى للقاهرة حيث يدرس بالأزهر، ولا أعرف سبيلا للتواصل اللغوي معه سوى الحديث باللغة العربية الفصحى، فسألني عن معنى الجملة التي بدت غامضة بالنسبة له، فابتسمت وانتهزتها فرصة لأخوض معه بفخر في تاريخنا المجيد، كمصري يعتز بمصريته وعظمة بلده وموروثاته الثقافية والفنية والأدبية والفكرية والحضارية والشعبية التي يحترمها ويجلها ويقف أمامها مبهوتا، المليارات من البشر في شتى بقاع الأرض، ثم شرحت له بإيجاز كيف وصلت اللهجة العامية المصرية إلى شكلها ومنطوقها الحالي.

ولعل من أهم الأشياء التي تميز بلدنا العظيمة الكبيرة مصر، هي لهجة سكانها المحليين "العامية المصرية" ... وهي لهجة محببة ومفهومة لدى جيرانها في الإقليم المحيط بها، من سائر الشعوب الناطقة باللغة العربية.. لهجة ساحرة، خفيفة على القلب، لها وقع رائع على من يسمعها، لا ينافسها في رشاقتها وخفتها ولكنتها الموسيقية في رأيي، سوى لهجة إخواننا أهل الشام.

اللكنة العامية المصرية بتركيباتها، وتكوينها المعقد، هي خليط متجانس، يحكي تاريخ طويل ممتد من الحضارات التي مرت على مصر ... حضارات تناوبت، وعاشت وتعايشت.. أثرت وتأثرت.. استقرت لعقود أو حتى قرون ... أو عبرت كضيف خفيف، مكث بعض الوقت ثم غادر، بالسلام أو بالحرب، بالسياسة والمفاوضات أو بالقتال ومقاومة شعبها العظيم العاشق المنتمي، مهما أرهقه وجار عليه استعمار أو احتلال أجنبي، أو أستبد به وقهره احتلال ومستبد ظالم محلي.. أو والي أو مملوكي أو خديوي أو ملك.

في النهاية تبقى مصر، ويغادرها الغريب وهو لا يسعه سوى الإعجاب والعشق، بل والانبهار بتلك البلد العريقة الجميلة العصية على الترويض، التي يحمل شعبها في جيناته موروثا عنيدا ... صبور بشكل لا يصدق على كل مستبد وصفيق، رهيب مذهل إن غضب وانتفض ثائراً في لحظة ودون سابق إنذار، قادر على أن يستوعب ويستنشق، بل ويبتلع أي حضارة أو ثقافة أو لغة، فيروضها جميعها وينقحها ويعيد تدويرها، بعد أن يلفظ تلقائياً ما لا يتماشى مع إرثه الإنساني والاجتماعي، وتقاليده وعاداته.. ويحتضن ويضيف على ما سمح له بالاستقرار، بصمته المصرية الخالصة ...

من هنا جاءت اللهجة العامية التي حفظها العديد من إخواننا العرب، من تاريخ الفن المصري الجميل الرائد ... سينما ومسرح وتلفاز.. أدب وأغاني وأشعار.. لهجة هي خليط من القبطية حين دخلت المسيحية إلى مصر، تتداخل معها بعض من اليونانية مع بعض من الفارسية، التركية، الفرنسية، الإيطالية، ثم بدخول الإسلام زادت رقعة اللغة العربية.

كل ذلك الخليط المتجانس تناغم برشاقة وخفة وأفرز في النهاية العامية، فضلا عن اللكنات والمصطلحات الخاصة بأبناء مصر في طولها وعرضها، في أقصى الشمال حيث أبناء سيناء، وغرباً حيث أهالي مطروح، ولهجات أهل القناة والفلاحين والصعايدة.. بحر من الثراء والتنوع، وسحر من الأصالة وعبق التاريخ، لدولة هي أقدم وأعرق البلاد على وجه الأرض. أول دولة لها حدود وحكومة مركزية، وأقدم من مارس الزراعة والصناعة والبناء والتشييد، وأول من عرف الكتابة والتدوين.

عفوا فقد استرسلت في الحديث وكدت أنسى الموضوع الأساسي، فقد شرحت لصديقي الماليزي، وترجمت له النص بالتفصيل.. فقلت له: "لقيت" بمعنى "وجدت".. وهي كلمة تعني العثور على شيء ضائع أو تائه.. "أي حاجة" بمعنى "أي شيء".. أي المقصود أن فلان عثر على شيء ليس له قيمة أو وزن مشوه الهوية مثلا .. "قالولي" هنا ليس شرطا أن يكون لها معنى.. فقد جرى العرف في مصر، إنه إن قرر أحد لفت الانتباه وقت الحديث فيقول: الناس " بيقولوا" .. "بيقولك مرة واحد عمل كذا" .. هنا ليس شرطا أن يكون أحد قال شيئاً من الأساس.. "خد دي" .. أي أن هؤلاء المجهولون قالوا له "خذ هذه" .. أي "خذ مصر" .. لم يتسنى لي حقيقة فهم المراد وإن كنت متأكدا أنه لغرض وطني شريف وصادق وأمين إن شاء الله.. قد يكون "قالوا له" بصفة تكليف، أو تشريف...أو مكافأة.. لا أعلم المعنى حقيقة على وجه الدقة.

أومأ إلى صديقي الماليزي برأسه علامة على التفهم، وشكرني على الشرح الوافي.. ولكنه سألني سؤال، شعرت ببعض من الخبث الحميد، بعد أن ارتسم شبح ابتسامة لئيمة على وجهه وقال لي: سمعت مرة أن مصر كشفت ظهرها وعرت كتفها!! ماذا كان يقصد؟ أجبته بلهجة حادة بعض الشيء وإن احتفظت قدر الإمكان بهدوء أعصابي: صديقي.. مصر بالنسبة لجميع مواطنيها ليست مجرد دولة ...مصر دي أمي وأم كل مواطن.. أم العامل والفلاح والغفير والوزير.. أم الرئيس نفسه في كل عصر.. فحين نتحدث عنها نضفي عليها صفات بشرية غير مقصود بها التقليل والتحقير.. وجدته وقد أسرع بتوضيح وجهة نظره، وإنه لم يقصد التطاول والإهانة.. حتى إنه قال لي بلهجة عامية كانت مفاجئة بالنسبة لي: قطع لسان اللي يقل أدبه ويتكلم عن مصر وحش!! لقد قرأت كثيرا عن مصر، وطالعت المقريزي وعبد الرحمن الرافعي وعزيز سوريال.. وقرأت فجر الضمير لجيمس هنري، والفن والحياة في مصر الفرعونية لكلير لالوليت.. ثم أردف قائلا: صدقني يا أخي، مصر أكبر وأعظم وأرقى من أن يهينها أحد.. سيأتي عليها العزيز والكريم، ويمر عليها الصفيق واللئيم.. والكل يرحل مكرما أو تصحبه اللعنات، وتبقى مصر لأبنائها