لماذا كتبت زمن سعاد؟ ”محدش عاقل يلعب مع الأسد”... استراتيجية كندا للتعامل مع ضغوط ترامب نواب ”الجباية” انا إللي أخدت حصة ديني على السلم‎ ”شتيفان الكبير” سينقذ أوروبا مجددا من الغزو الإسلامي‎ اللجوء إلى الظلمة… كيف تركب موجة الثراء؟ خطورة الأسلحة النووية إله تشويش المزمور الثاني: حوار كوني بالنبوة على فم داود... بين الله الواحد الثالوث والإنسان المخلوق لك ينبغي السجود تفاقم مشكلة إسكان الشباب في كندا

لك ينبغي السجود

السجود في الإيمان المسيحي هو فعل عبادة كامل، يحمل معنى الخضوع المطلق والتسليم التام لله وحده. فهو ليس مجرد انحناء جسدي أو ممارسة شكلية، بل إعلان إيمان حيّ بأن الله هو الخالق والمالك والمستحق وحده للمجد والكرامة. لذلك يربط الكتاب المقدس السجود دائمًا بالعبادة، ويمنعه عن أي مخلوق آخر مهما علت مكانته. وقد أعلن الرب هذا الحق بوضوح في الوصايا قائلاً: «لَا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي… لَا تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلَا تَعْبُدْهُنَّ» (خروج 20: 3–5).

ويظهر هذا التعليم بوضوح في صلوات وتسبيح شعب الله عبر العصور. ففي سفر المزامير نسمع الدعوة الإلهية: «هَلُمَّ نَسْجُدُ وَنَرْكَعُ، وَنَجْثُو أَمَامَ الرَّبِّ خَالِقِنَا» (مزمور 95: 6)، حيث يُقدَّم السجود باعتباره استجابة طبيعية لمعرفة الله كخالق. ويقول داود النبي: «أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ، أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِكَ بِخَوْفِكَ» (مزمور 5: 7). فالسجود هنا مرتبط بالمخافة المقدسة، أي إدراك قداسة الله وعظمته، لا بشخص أو وسيط بشري.

وفي العهد الجديد، يعلن السيد المسيح بنفسه هذا المبدأ إعلانًا قاطعًا لا يقبل الجدل. فعندما جرّبه الشيطان في البرية وطلب منه أن يسجد له مقابل مُلك العالم، أجابه الرب يسوع قائلاً: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ» (متى 4: 10). بهذا يربط المسيح السجود مباشرة بالعبادة، ويؤكد أنه لا يُقدَّم إلا لله وحده. وحتى في الرؤى السماوية، نرى أن الملائكة أنفسهم يرفضون السجود لهم، إذ قال الملاك ليوحنا: «انْظُرْ لَا تَفْعَلْ… لِلَّهِ اسْجُدْ» (رؤيا 22: 9)، في إعلان واضح أن السجود ليس لأي كائن مخلوق.

كما يقدّم سفر الرؤيا صورة سماوية مهيبة تؤكد نفس الحقيقة. إذ يقول: «وَخَرَّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا أَمَامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَسَجَدُوا لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ» (رؤيا 4: 10). هذا المشهد يكشف أن السجود هو لغة السماء، وموجَّه فقط للحيّ الأزلي، الجالس على العرش، وليس لأي كائن آخر مهما بلغت رتبته.

وقد حافظ آباء الكنيسة على هذا التعليم الرسولي بوضوح وحزم. فالقديس إيرينيؤس يعلّم أن تقديم العبادة أو السجود لغير الله هو انحراف عن الإيمان الحق وعودة مقنّعة إلى الوثنية. ويؤكد القديس أثناسيوس الرسولي أن السجود علامة الإيمان بالله غير المخلوق، وأن توجيهه لمخلوق هو خلط خطير بين الخالق والمخلوق. أما القديس يوحنا الذهبي الفم فيشدد على أن السجود هو أسمى درجات العبادة، ولا يليق إلا بالله وحده، بينما يفرّق بوضوح بين العبادة الإلهية والسلوكيات التعبيرية مثل الاحترام أو التكريم. ويضيف القديس باسيليوس الكبير أن كل خضوع جسدي يحمل معنى العبادة يجب أن يُقدَّم لله وحده، لأنه مصدر الحياة والقداسة.

من خلال شهادة الكتاب المقدس وإجماع آباء الكنيسة، يتضح أن السجود عبادة خالصة لله وحده، لا تُقسَّم ولا تُشارَك. فالمسيحي الحقيقي يوجّه قلبه وجسده وسجوده للرب وحده، حافظًا نقاوة الإيمان واستقامة العبادة، مرددًا مع الكنيسة في كل جيل: «لَهُ يَنْبَغِي السُّجُودُ وَالْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ».