أرض الصومال.. اعتراف يهز الخرائط ويؤجج البحر الأحمر
أعلنت إسرائيل اعترافها الرسمي بـ"أرض الصومال" كدولة مستقلة، في خطوة غير مسبوقة جعلتها أول دولة تقدم على ذلك منذ إعلان الإقليم انفصاله عام 1991.
وعقب الإعلان، تتابعت إدانات إقليمية ودولية واسعة اعتبرت الخطوة مساساً بوحدة الصومال وتهديداً لاستقرار القرن الأفريقي.
وبينما بدا القرار في ظاهره اعترافاً دبلوماسياً، إلا أنه عملياً يفتح باباً لأزمة أمنية بحرية؛ لأن ساحل أرض الصومال يطل على خليج عدن عند تخوم الممر الذي يقود إلى باب المندب والبحر الأحمر. وهي جغرافيا تتقاطع فيها الحرب في اليمن، واضطرابات السودان، والتنافس الإثيوبي الصومالي، والتهديدات الإرهابية العابرة للحدود.
النتيجة هي أن البحر الأحمر، الذي لم يلتقط أنفاسه منذ موجة استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل ثم تمدد المخاطر إلى شركات وشحنات متعددة، بات أمام عامل تفجير جديد يخلط الاعتراف السياسي بالمكاسب الأمنية وبحسابات الردع والانتقام، ويزيد من قابلية انتقال الصراع من البر إلى البحر.
الاعتراف الإسرائيلي لم يأتِ في فراغ، بل في لحظة انكشاف استراتيجي في القرن الإفريقي، حيث تتحول الموانئ إلى "عملة نفوذ" وتتحول الاعترافات إلى أدوات ضغط.
من زاوية مقديشو: يمثل الاعتراف سابقة تهدد فكرة وحدة الدولة الفيدرالية، وتمنح الإقليم المنفصل غطاءً سياسياً يمكن أن ينعكس على ملفات المساعدات والاستثمارات والتسليح والشراكات الأمنية؛ وهو ما يفسر توصيف الحكومة الصومالية للخطوة كاعتداء على السيادة وسعيها لمواجهتها دبلوماسياً وقانونياً.
من زاوية هرغيسا: يمثل الاعتراف اختراقاً تاريخياً في معركة الشرعية الدولية، لكنه يرفع أيضاً سقف المخاطر؛ لأن أي تقارب أمني أو استخباراتي مع إسرائيل سيجعل الإقليم هدفاً محتملاً لوكلاء إقليميين أو لجماعات مسلحة تبحث عن عناوين تعبئة جديدة.
هذا التوتر تضاعف سريعاً مع موقف الحوثيين؛ أعلن زعيم الجماعة أن أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيعد "هدفاً عسكرياً"، وهو تهديد ينقل الصراع نظرياً من مسرح البحر الأحمر قبالة اليمن إلى مسرح ممتد نحو خليج عدن والسواحل المقابلة في القرن الإفريقي.
في الخلفية، يقف ملف إثيوبيا والصومال كقنبلة مؤجلة منذ مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال مطلع يناير 2024 للحصول على منفذ بحري عبر "بربرة" مقابل حديث عن اعتراف إثيوبي محتمل، وهو ما رفضته الصومال وعدّته بلا أثر قانوني.
وقد اعتبر تحليل لـ"مجموعة الأزمات الدولية" تلك الصفقة محفزاً لتوترات أوسع لأنها تمس توازنات السيادة والحدود والهوية في منطقة هشة، وقد تخلق سلسلة ردود فعل إقليمية.
يأتي اعتراف إسرائيل ليضيف طبقة جديدة فوق هذا الخلاف، لأنه يرفع قيمة ساحل أرض الصومال في أعين اللاعبين الإقليميين، ويزيد حساسية أي ترتيبات بحرية أو قواعد أو تسهيلات لوجستية حتى لو ظلت في إطار التعاون المدني.
باب المندب ليس مجرد مضيق، بل نقطة خنق لسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا، ورافعة مالية لقناة السويس، ومجال اختبار لقوة الردع لدى القوى الإقليمية والدولية.
منذ نوفمبر 2023، دفعت هجمات الحوثيين على الشحن التجاري شركات كبرى إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح؛ ما رفع زمن الرحلات والكلفة والتأمين وأدخل التجارة العالمية في حالة تذبذب مزمنة.
وحتى عندما تراجعت وتيرة بعض الهجمات في فترات متقطعة، ظل تقييم المخاطر مرتفعاً في ممرات البحر الأحمر وخليج عدن، كما تظهر نشرات التهديد البحري المشتركة (UKMTO) التي تقيّم مستويات الخطر بحسب الارتباط بإسرائيل ودينامية التصعيد في غزة واليمن.
في هذا السياق، يأتي تهديد الحوثيين المرتبط مباشرة بأرض الصومال ليخلق معادلة جديدة عنوانها ليس فقط استهداف السفن، بل أيضاً استهداف أي تموضع على الضفة الأفريقية المقابلة.


