التدريب المهني.. ومُتغيّرات الحاجة للتوظيف
بين احتياجات الإنسان ورغباته تتأرجح أُمنياته ما لم يكُن الإرشادُ الصحيح حليفًا لخطواته، ومع تقلُّب الأيَّام وتطوّر الأفكار والأمزجة في رحلة التطوُّر البشري تختلطُ على المجتمعات الفوارق الحقيقية بين "الاحتياجات" و"الرغبات"، ما يؤدي إلى ظواهر مُجتمعيَّة تتحوّل بين حينٍ وآخر إلى أزمات مثل أزمة ارتفاع مُعدلات العاطلين من خرّيجي الجامعات سنويًا في عالمنا العربي.
ثمة سؤالٌ طُرحَ على طاولات البحث والمُناقشة الجادَّة في عددٍ من البلدان التي يشهد تقدمها الاقتصادي على نجاحها، هل يُمثّل التعليم الجامعي دائمًا حاجة حقيقيَّة أم مُجرّد رغبة في عصرنا الراهِن؟ وكان الجواب أن كثيرين هدفهم من الانضمام إلى الجامعات لا لطلب العلم في تخصصٍ يميلون إليه؛ بل للحصول على شهادة تمكنهم من نيل القبول في وظيفة بأجرٍ ماديٍ مُجزٍ يُحقق لهم أحلامهم بحياةٍ كريمة، إذن جذر الاحتياج الحقيقي الأساسي هو المُال، ولو عُرِض على كثيرٍ من أولئكَ الطلاّب عملٌ بأجرٍ مُغرٍ مقابل ترك الجامعة فسيختارون ترك المُستقبل المجهول مُقابل الحاضِر المعلوم لأن الارتباط النفسي والعاطفي بينهم وبين التخصصات التي قُبلوا على مقاعدها ليسَ وثيقًا، لكنهم اختاروا الخيار الذينَ يرون أغلب الناس يختارونه في مُحيطهم لأنه الوسيلة التي يعرفونها لتحقيق مُستقبلٍ يأملون أن يكون أفضل من واقعهم.
بعضُ تلك البلدان – التي يشهد اقتصادها بتفوّقها- اختارت اختصار الطريق على أبنائها ببرامج التدريب المهني الذي ينتهي بوظائف مضمونة وأجور مُرتفعة توفيرًا لجهود الطلاب وتسريعًا لدمجهم في الحركة الإنتاجيَّة للاقتصاد والمُجتمع، فبتقريب اعتمادهم على أنفسهم ماديًا بصورة كاملة يتحرر الآباء الذين شارف بعضهم على التقاعُد من عبء الهموم المُتراكمة بشأن مُستقبل أبنائهم وبناتهم، ويتمكن أولئك الأبناء والبنات من تأسيس أُسرٍ شابةٍ تُنجب أجيالاً قادمة لتستمر دورة الحياة المُجتمعيَّة بصورةٍ طبيعيَّة وبأقل قدرٍ من المعوقات والعراقيل، والمميز في اختيار تلك البرامج أن الوصول إليها مُتاحٌ للجميع دون مُفاضلاتٍ مُعقدة تعتمد على التنافس في حصد الدرجات، فلا يُنهك التلميذ بالواجبات والاختبارات المُضنية منذ الطفولة؛ بل يجد وقتًا كافيًا للتواصل مع أصدقائه على أرض الحياة الواقعيَّة ومُمارسة هواياته المُحببة دعمًا لملكاته الإبداعيَّة، لأن المنظومة التعليمية تستهدف بناء "انسان" لا برمجة "روبوت"، ثم يختار أي تدريب مهني مُدمج بالتعليم النظري لمدة عامين إلى ثلاثة أعوام ونصف مع مُكافأة شهرية مُجزية ليكون جسرًا نحو مظيفة تحظى بتقديرٍ مُجتمعي دون حاجة للجامعة، وإذا أخذنا "ألمانيا" نموذجًا نرى من أمثلة تلك الوظائف: التمريض، الأعمال المكتبيّة، العمل في المصارف والبنوك، مجالات الفنادق والضيافة، تقنيات المختبرات الكيميائية، مجالات السياحة والسفر، هندسة الصوت، تصميم الوسائط الرقمية، إدارة المصانع، ميكانيكا الإلكترونيات.. وغيرها كثير.
إن "الاحتياج" الحقيقي لكُل شاب وشابة هو عملٌ بأجرٍ ماديٍ مُجزٍ يُتيح له فرصة إكمال حياته، أما الانضمام إلى الجامعة فغالبًا ما يكون مُجرد "رغبة" نابعة عن تقليد الرفاق والأصدقاء وانتشار صورة ذهنيَّة كانت ذات قيمة عُليا في زمنٍ مضى حين كان الخريجون الجامعيون نادرون، وليسَ من الصعب تصحيح المسار لتقنين أزمة العطالة وحماية عجلة الاقتصاد من التباطؤ، أما التعليم بهدف المعرفة وحدها فقد صار مُتاحًا بسخاء في عصر ثورة الاتصالات التي سهّلت تعلَّم أي شيء من أي مكان بنقرة زر.


