نار الحب الإلهي
في وسط كل هذه الأحداث اليومية المتلاحقة سواء السياسية أو الاقتصادية أو حتى الرياضية، اسمح لي عزيزي القارئ أن احلق معك في السماء تاركين ما على الأرض من صراعات ومشاكل او مخاوف. إنني أدعوك عزيزي أن تطير معي وتري عرش الله وتتأمل في الحب الإلهي.
يُعدّ الحب الإلهي المحور الذي تدور حوله كلّ أبعاد التدبير الخلاصي، فهو ليس مجرد صفة من صفات الله، بل هو إعلان عن كيانه، إذ يقول الرسول يوحنا: «الله محبة» (1 يو 4: 8). ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم سرّ الإنسان إلا في ضوء هذا الحب الذي أوجده من العدم، وحفظه في الوجود، ثم افتداه عندما سقط. فخلق الإنسان لم يكن ضرورة إلهية، بل ثمرة محبة فائقة أرادت أن تشارك الإنسان في الحياة الإلهية. لذلك فإن قيمة الإنسان لا تُستمد من قدراته أو إنجازاته، بل من كونه محبوبًا من الله ومدعوًا إلى الشركة معه.
وقد عبّر القديس يعقوب السروجي عن هذه الحقيقة بأسلوب شعري ولاهوتي فريد، إذ رأى أن الإنسان هو أعظم مخلوقات الله المنظورة، لأنه خُلق على صورة خالقه. يقول: «ما أعظم الإنسان الذي من أجله نزل الله إلى العالم، وصار جسدًا ليُعيد صورته إلى بهائها الأول.» فهذه الرؤية لا تجعل التجسد مجرد علاج للسقوط، بل تكشف أن الإنسان يمتلك كرامة سامية دفعت الكلمة الأزلي إلى أن يتخذ طبيعته البشرية. إن عظمة الإنسان لا تكمن في استقلاله عن الله، بل في كونه موضوعًا لمحبة الله التي لا تُقاس.
ويؤكد القديس أثناسيوس الرسولي أن التجسد هو البرهان الأعظم على الحب الإلهي، إذ يقول: «صار الله إنسانًا لكي يصير الإنسان الها (شريكًا في الحياة الإلهية).» فالحب الإلهي لا يكتفي بالغفران، بل يرفع الإنسان إلى مستوى البنوة بالتبني، ويمنحه إمكانية التأله اي الاتحاد بالله بالنعمة. ومن هنا فإن الخلاص ليس مجرد تبرئة قانونية، بل هو استعادة لجمال الصورة الإلهية في الإنسان، وتجديد للطبيعة البشرية بقوة الروح القدس.
أما القديس إسحق السرياني فيرى أن محبة الله لا تتغير حتى أمام خطايا الإنسان، فيقول: «ليس في الله بغضة أو انتقام، بل محبته ثابتة، وما نسميه عقابًا إنما هو اختبار الإنسان لعجزه عن قبول هذه المحبة.» وهذا الفكر يكشف أن الله لا يكف عن محبة الإنسان حتى في لحظات سقوطه، بل يبقى يدعوه إلى التوبة والرجوع، لأن غاية الحب الإلهي هي خلاص الإنسان لا هلاكه.
ويعود القديس يعقوب السروجي ليؤكد أن الإنسان هو موضع دهشة الخليقة كلها، إذ يرى أن الله أكرمه بأن جعله ملتقى السماء والأرض، وجمع فيه المنظور وغير المنظور، ولذلك يقول: «الإنسان عالم صغير، لكنه يحمل في داخله سرّ العالم الكبير.» ومن هذا المنظور، فإن محبة الله لا تمنح الإنسان كرامة أخلاقية فحسب، بل تؤهله ليكون هيكلًا للروح القدس، وشريكًا في مجد الملكوت. وهكذا تصبح حياة القداسة استجابة عملية للحب الإلهي، وليست مجرد التزام بالوصايا.
إن التأمل في الحب الإلهي يقود إلى اكتشاف حقيقة الإنسان كما أرادها الله منذ البدء. فكلما ازداد الإنسان اتحادًا بمحبة الله، ازداد إدراكًا لعظمته الحقيقية، لأن الكرامة الإنسانية تنبع من علاقة المحبة مع الخالق. وهذا ما شدد عليه الآباء، وفي مقدمتهم يعقوب السروجي، الذي رأى أن الإنسان هو درة الخليقة، وأن قيمة وجوده ظهرت بأسمى صورة في التجسد والفداء. لذلك يبقى الحب الإلهي هو الأساس الذي يفسر الخلق، والتجسد، والخلاص، ويدعو الإنسان إلى أن يحيا على صورة المسيح، حتى يبلغ ملء الشركة مع الله في المجد الأبدي.


