لك ينبغي التسبيح
يحتلّ التسبيح مكانة مركزية في الحياة الروحية المسيحية، إذ يُعدّ تعبيرًا حيًا عن إيمان الإنسان بالله واعترافه بعظمته وقداسته وسيادته المطلقة. فالتسبيح ليس مجرد كلمات تُقال أو ألحان تُرنَّم، بل هو موقف قلبي ولاهوتي يعلن أن الله وحده هو المستحق للمجد والكرامة. ومن هذا المنطلق، يقدّم لنا الكتاب المقدس وتعليم آباء الكنيسة فهمًا واضحًا يؤكد أن التسبيح، بوصفه عبادة، يجب أن يُقدَّم للرب وحده دون سواه.
يظهر التسبيح في الإعلان الكتابي كفعل عبادة موجَّه حصريًا إلى الله. فالمرنم يقول: «سَبِّحِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِيَّ لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ» (مزمور ١٠٣: ١). في هذا النداء، يتوجّه الإنسان بكليّته، داخليًا وخارجيًا، لتسبيح اسم الرب، في تأكيد واضح أن التسبيح ليس موجّهًا إلى بشر أو مخلوقات، بل إلى الله القدوس وحده.
ويؤكد الكتاب المقدس حصرية هذا المجد تأكيدًا قاطعًا، حين يعلن الله عن ذاته قائلًا: «أَنَا الرَّبُّ، هَذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لَا أُعْطِيهِ لِآخَرَ» (إشعياء ٤٢: ٨). تحمل هذه الآية بعدًا لاهوتيًا عميقًا، إذ تضع حدًا واضحًا لأي خلط بين الخالق والمخلوق، وتعلن أن المجد والتسبيح هما حق إلهي خالص لا يُنسبان إلى أي كائن مهما علت مكانته.
وفي العهد الجديد، تتجلّى حقيقة التسبيح بأبهى صورها في مشهد العبادة السماوية، حيث ترفع الخليقة كلها صوتها قائلة: «مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ» (رؤيا ٤: ١١). فالاستحقاق هنا لا ينبع من عطية مؤقتة، بل من حقيقة أزلية، وهي أن الله هو الخالق، وكل ما سواه هو خليقة تعتمد عليه في وجودها.
ويميز التعليم المسيحي تمييزًا واضحًا بين التسبيح كعبادة إلهية، وبين التكريم أو الاحترام الذي قد يُقدَّم للبشر الصالحين. فالتسبيح يختص بالله وحده، بينما
التكريم هو اعتراف بعمل نعمة الله في حياة أشخاص شهدوا له بأمانة. ويتجلى هذا التمييز في موقف الرسول بطرس عندما رفض السجود له قائلًا: «قُمْ، أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ» (أعمال ١٠: ٢٦)، في تأكيد أن المجد العبادي لا يليق إلا بالله.
وقد شدّد آباء الكنيسة على هذا الفهم الكتابي بوضوح وعمق. فالقديس أثناسيوس الرسولي يؤكد أن الله وحده غير المخلوق، ولذلك وحده يُسبَّح تسبيح العبادة. ويرى القديس أغسطينوس أن التسبيح لا يضيف شيئًا إلى مجد الله، بل يُعيد قلب الإنسان إلى موضعه الصحيح أمام عظمة خالقه. أما القديس يوحنا الذهبي الفم فيحذّر من تحويل أي إنسان إلى غاية للتسبيح، مشددًا على أن كل كرامة يجب أن تنتهي عند الله.
ولا يقتصر التسبيح على كونه إعلانًا لاهوتيًا، بل هو أيضًا مدرسة روحية وتربوية. فالتسبيح يعلّم الإنسان التواضع، ويحرّره من تمجيد الذات أو التعلق المفرط بالبشر، ويُعيد ترتيب أولويات القلب. وعندما يعتاد المؤمن أن يسبّح الله وحده، ينمو لديه وعي روحي سليم، يرى فيه كل نعمة كعطية إلهية، وكل نجاح كبركة من الله.
ومن هنا، فإن التسبيح ليس حكرًا على لحظات الفرح فقط، بل هو دعوة يومية في كل الظروف. فالتسبيح يرفع القلب فوق الضيق، ويجدّد الرجاء، ويذكّر الإنسان بأن الله حاضر وأمين ومستحق للمجد في كل حين. لذلك يُدعى كل قارئ إلى أن يجعل التسبيح أسلوب حياة، في الصلاة والعمل، في القوة والضعف، وأن يردّد بقلب صادق أن المجد كله هو لله وحده.
وهكذا يبقى التسبيح هو الاستجابة الطبيعية لقلب يعرف الله معرفة حقيقية. فحين يدرك الإنسان من هو الله، لا يملك إلا أن يسبّحه. والتسبيح النقي، كما يعلّمه الكتاب المقدس ويؤكده آباء الكنيسة، هو ذاك الذي يبدأ من الله وينتهي عنده، له المجد الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور.


