إنطلاق مهرجان التراث المصري وفعاليات أضخم تجمع مصري في كندا وشمال أمريكا Online Reviews: The Unseen Power Shaping the Fate of Businesses in the Virtual World حفل زفاف في أعماق البحار الأهرامات تحتضن زفافاً أسطورياً لملياردير هندي وعارضة أزياء شهيرة التفوق على إيطاليا بأطول رغيف خبز بلدة تدخل ”جينيس” بخياطة أكبر ”دشداشة” بالعالم أوتاوا تدعم تورنتو لمساعدتها على استضافة كاس العالم 2026 السماح للطلاب الأجانب بالعمل 24 ساعة في الأسبوع بحد أقصى مقاطعة بريتش كولومبيا تعيد تجريم تعاطي المخدرات في الأماكن العامة طرد رئيس حزب المحافظين الفيدرالي من مجلس العموم لنعته ترودو بــــ ”المجنون” كندا تقدم 65 مليون دولار إلى لبنان للمساعدات الإنسانية والتنمية الاقتصادية أونتاريو تشدد القواعد على استخدام المحمول وتحظر السجائر الإلكترونية والماريجوانا

مينا ماهر يكتب: رواية كلمتين في حب مصر (٨)

دردشة…بالعربي الفصيح:

مقدمة: كتبت هذه الرواية في عهد الرئيس محمد حسني مبارك وانتهيت منها قبل ثورة ٢٥ يناير بأسبوع! 

المذيع هادي ابو الخير يقدم برنامجه الإذاعي "كلمتين فى حب مصر" وتلقى مداخلة من رامز المصري مشجعاً للهجرة و راوياً له عن والدته أم دنيا الخادمة (و الأرستقراطية الأصل) التي باعته هو و باقي اخوته و هم أطفال، و حين أراد أن يعود إلى والدته و هو شاب، نهرته بقسوة و امرته ان يعود من حيث جاء، و بالصدفة تعرف على اخته دنيا و أقام في البنسيون الذي كانت تعمل فيه دنيا كعاملة نظافة بعد انتهاء يومها الدراسي؛ و نجح أيضاً في أن يعمل كموظف استقبال في نفس البنسيون؛ بعد ان اكتشف ان حياته في مصر ستظل محلك سر، قدم طلب الهجرة الأمريكية عن طريق اللوتري، وبعد ستة أشهر قبل الطلب، وهو الآن مستعد للرحيل!

حلقة ٨:

كانت دنيا ممهدة نفسياً لرحيل رامز حتى قبل أن يفاتحها في موضوع الهجرة لأنها كانت تقرأه جيداً، ولكنها تمنت أن تكون مخطئة او ألا يتم سفره بهذه السرعة، فقد ارتبطت به عاطفيا جداً في هذا الوقت القصير!

في لحظة استلام رامز جواب قبول هجرته، ركض سريعا الى طابق البنسيون العلوي بعد أن طلب من فراش البنسيون أن يحل محله لمدة دقائق الى أن يخبر أخته بما حدث! كانت دنيا تقوم بورديتها في إحدى الغرف العلوية وما ان سمعته ينادي حتى خرجت مسرعة قائلة:

- فيه ايه يا رامز؟ 

- اتقبلت في الهجرة

وقع عليها الخبر كدغدغة رقيقة ملحوقة بصفعة قوية، مزيج غريب من السعادة والحزن، فبادرت رامز بسؤال مفاجئ، محاولة إخفاء دموعها، فأشحب وجه رامز عند سماعه السؤال:

- معاك تمن التذكرة؟

- حتدبر!

- طب إستني

تركته في رواق الطابق العلوي وذهبت غرفة التنظيف حيث تركت متعلقاتها.

في تلك الفترة القصيرة غاب رامز في عالم من الكآبة والتشاؤم، فمن أين له أن يسافر وهو لا يملك خمسة آلاف جنيه، وهو ثمن التذكرة آنذاك؟ فما تبقى معه مما ادخر من الخليج و البنسيون لا يزيد عن اربعة الاف جنيه، فحتي لو دبر الفرق فمن اين له ان يعيش بعد ذلك؟  للأسف لم يحسب رامز لهذه النقطة حسابا ً، فما فائدة الهجرة دون المال!؟

عادت دنيا مسرعة ومعها كيس صغير اعطته لرامز قائلة:

- خد دول!

- ايه دول؟

- دي فلوس كنت محوشاها من جمعيات دخلت فيها حوالي ألفين جنيه...واسورتين دهب تمّنهم وشوف يطلعوا كام وكمل عليهم؟

- أنا مش ممكن أخد الفلوس دي...

- انت حاتعملي فيلم عربي... أحنا اخوات يا رامز...ولا انت لسة ماتعرفش؟ وبعدين ياسيدي اعتبرهم سلف، لما ربنا يوفقك في امريكا ابقي ردهم. أنا مش محتاجاهم دلوقت.

ثقل لسان رامز عن الشكر ولكن بلا شعور تعانقا لاول مرة وكأن علاقتهما الان ختمت رسميا كأخ واخت! ومن فرط المشاعر المرهفة احبت دنيا ان تخفي خجلها فقالت مقتضبة لحظة العناق: 

- اه بالحق... لو لسه الفلوس اللي معاك مش مقضية ...قوللي وانا حاتصرف.

صمتا لمدة ثانيتين ثم انفرطا في ضحك عذب. 

و بهذا استطاع رامز أن يدفع التذكرة وتبقى معه حوالي ألفين جنيهٍ أصرت دنيا أن لا تاخذهما، فكان كذلك! وها قد تمكن رامز أخيرا بكل ثقة ان يتواجد في مطار مصر الدولي. ومَثل امام ظابط الجوازات الذي نظر الي جواز سفره ورمقه بنظرة تحمل الكثير من المعاني واستطرد قائلا: 

- ايه موقفك من التجنيد يا رامز؟

كان رامز قد تجاوز الثامنة عشر وهو السن القانوني المفترض للتجنيد، ولكن قد يُمنع أي شخص من السفر حتى قبل بلوغ الثامنة عشر تبعا لمزاج ضباط الجوازات! فـان إلزامية التجنيد في مصر تزرع داخل بعض الأشخاص إحساس بالواجب الوطني الإجباري، وهذا الاحساس ليس بخطيئة، بل ويجب ان يحترم! وهناك من يلهجون وراء تحصيل إعفاءات من التجنيد لأولادهم؛ وقد يتم الحصول على الإعفاء إما بشكل قانوني بحت كوجود عاهة أو التصاق في الفخذين...الخ، أو بالوسائط والنفوذ أو الرشاوى- أي الحصول على إعفاء قانوني، بشكل غير قانوني! و إن فشل أحدهم في الحصول على الإعفاء، فيا حبذا لو قُبل برتبة جندي، حيث أن الجندي يجند لمدة سنة واحدة فقط؛ بينما يخدم الضباط أربع سنوات متواصلة! وها نحن نرى كيف بدأ الناس بالاستهانة بالبلد وحمايتها كرد فعل لسوء استغلال النفوذ و السلطة. وما أكثر البراهين أن إلزامية التجنيد ليست هي  الوسيلة المثلى لضمان حماية البلد؛ فاقوى و اكبر البلاد جيشا  -وهي أمريكا- لا تتبع نظام التجنيد الإلزامي، و مع هذا  مازال مواطنوها يقبلون بارادتهم لتحمل حق الخدمة العسكرية يوميا!

***

استرسل رامز حديثه مع هادي ابو الخير:

- أنا ماكانش عندي اعفا!

- وعملت ايه؟ 

- اول ما اتختمتلي فيزة امريكا عالبسبور...رحت حطيت ختم مهاجر...

- ودا يعمل ايه؟

- يعتبر بديل للاعفا! أصل البلد بتعتبر المهاجر معندوش ولاء!

- إسمحلي يعني ما اي حد بيسيب بلده لازم يكون ماعندوش ولاء!

- استاذ هادي...انت راجل مثقف...هل وجود الولاء او عدمه بينشا من فراغ؟ 

- يعني ايه؟ 

- يعني أكيد فيه سبب ورا اي مشاعر سواء إيجابية او سلبية، ومع ذلك أنا باختلف معاك...مش كل مهاجر ما عندوش ولاء..و أكيد عنده اسبابه  الخاصة!

- و هي اسباب زي غش البياعين والتعليم دي اسباب؟ معلش اعذرني أنا شايف انها اسباب هايفة جدا...دا حتى حتة قضية التعليم دي أنا شايفها نظام كويس عشان مش كل من هب ودب ييجي عايز يتعلم!

انزعج رامز من اسلوب هادي فانفجر غاضباً: 

- لما امك اللي غايب عنها سنين ترفضك دي مش اسباب؟ لما تكون ضحية نظام قذر مالكش ذنب فيه...بس عالاقل عملت اللي عليك...وما حدش مدلك ايده، دي مش اسباب؟ 

ارتبك ابو الخير من رد فعل رامز فنظر عفويا عبر النافذة المطلة علي غرفة الانتاج نحو المخرج الذي أمره بعينيه ان يلزم الهدوء والسكينة ويستمر في البرنامج و كأن شيئا لم يحدث! 

فواصل هادي حديثه علي الهواء:

- طب نسمع اغنية ونرجع بعدها لأستاذ رامز!!

***

وقبل ان تنتهي الاغنية سأطلعكم سريعا علي ما مر به رامز في الولايات المتحدة الامريكية؛ فقد وضع رامز أمامه هدفين يجب تنفيذهما عند وصوله، اولا ان يجد عملاً ما حتى يتسنى له ان يعيش، و ثانيا أن يبدأ في الدراسة. في بادئ الأمر نزل مؤقتا في أحد الفنادق الصغيرة الرخيصة إلى أن يجد عملا مناسباً؛ وفي خلال أربعة أيام من البحث الشديد نجح أن يعمل كعتال في أحد السوبر ماركتات المعروفة هناك. اختار ورديات ليلية حتى يستطيع أن يواظب على المدرسة في الصباح، فقد وفق أيضاً في مدرسة قريبة من سكنه؛ اعترفت بسنين دراسته الاولى في الخليج معتمدة على شهاداته الرسمية التي قدمها بالإضافة إلى خوضه ونجاحه امتحانات المستوي. قبلته المدرسة في السنة الاخيرة من المرحلة الثانوية، أما سكنه فقد كان  في غرفة في سرداب إحدى العمارات المخصصة للطلبة. كانت اللغة عائقا في أول ثلاثة أشهر ولكنه سرعان ما أتقنها. كان حلمه ان يصبح طبيبا يوما ما. وبعد تخرجه من المرحلة الثانوية، عاد يعمل بشكل مكثف ليدخر بعض المال، حتى يستطيع أن ينفق على دراسته الجامعية، بجانب القروض الدراسية المخصصة والمتاحة للطلاب هناك. إلى ما هناك، أنهى شهادته العليا في البيولوجي من جامعة نيويورك؛ فالقبول في كلية الطب في الخارج، يتطلب شهادة جامعية في أي مجال كان، ولكن بتقدير عال جدا!  ويجب ان يُدعم طلب المقدم بأنشطة اجتماعية شتى وخبرات عمل تطوعية؛ هذا غير امتحان الـ " ام كات" وهو امتحان القبول.

فالطب هو المجال الوحيد الذي يتم فيه التعامل مع صحة البشر بشكل مباشر مما رفع من أهميته، وبالتالي متطلباته، لا الأكاديمية فحسب بل الاجتماعية أيضاً؛ لذلك يمر الطلاب الراغبين في مزاولة الطب بعملية تصفية شديدة ومنافسة حادة، لضمان كفاءتهم كأطباء!

قد ادرك رامز نبل هدف هذه المهنة، فثابر علي الدراسة والعمل حتى قبل في عام ١٩٩٨ في كلية طب جامعة نيويورك. ولكن ثمة شيء كان يزعجه في نظام الرعاية الصحية في امريكا الا وهو عدم مجانية العلاج! فقد رأى الكثير من الحالات الخطيرة التي لا يتم النظر اليها بسبب بهاظة العلاج وعدم قدرة بعض المرضى على تحمل النفقات. فبدأ يمعن النظر في فكرة الهجرة إلى كندا حيث مجانية الرعاية الصحية والتي -في نظره- تخدم هدف الطب السامي. وبالفعل قبلت أوراق هجرته كطبيب في عام ٢٠٠٢ وأقام في محافظة "نيو برونزويك" إلى يومنا هذا. وها هو قد ارتقى بذاته من أسفل المناصب إلى اشمخها بفضل عزيمته ورعاية الله...

يتبع في الحلقة التالية من العدد القادم.