بعد تراجع النفوذ الإيراني.. «اتفاق مكة» يشعل سباق التحالفات ويضع الشرق الأوسط أمام خريطة أمنية جديدة
في خطوة قد تحمل تداعيات بعيدة المدى على توازنات الشرق الأوسط، بدأت السعودية وتركيا وباكستان تحويل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» من اتفاق سياسي إلى هيكل أمني أكثر مؤسسية، في تحرك يأتي وسط مرحلة شديدة الاضطراب تشهد إعادة ترتيب للتحالفات وموازين القوة في المنطقة.
واللافت أن الدول الثلاث لم تكتف بتوقيع الاتفاق في مكة المكرمة ، بل انتقلت خلال اجتماعها الأول للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية في إسطنبول إلى وضع آليات عملية لتفعيل الاتفاق، من بينها إنشاء أمانة عامة مقرها السعودية، على أن يتولى أمين عام باكستاني رئاسة الأمانة خلال مرحلتها الأولى لمدة ثلاث سنوات.
يجمع الاتفاق ثلاث قوى ذات ثقل عسكري واقتصادي وجيوسياسي مختلف؛ فالسعودية تمتلك الوزن الاقتصادي والطاقة والنفوذ السياسي في الخليج، بينما تتمتع تركيا بقدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة وعضوية في حلف شمال الأطلسي، في حين تضيف باكستان إلى المعادلة خبرة عسكرية واسعة وقدرات استراتيجية ونووية.
وتنص الاتفاقية على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا، وهو ما يمنح الاتفاق بعدا ردعيا واضحا، حتى مع تأكيد أطرافه أنه دفاعي وليس موجها ضد دولة بعينها.
يأتي التحالف في لحظة تشهد فيها المنطقة تراجعا نسبيا في قدرة إيران على فرض نفوذها الإقليمي كما كان عليه في مراحل سابقة، بالتزامن مع اضطرابات أمنية متلاحقة وحروب وتوترات أعادت حسابات دول المنطقة بشأن أمنها القومي.
لكن المفارقة أن الدول الثلاث تتجنب تقديم الاتفاق باعتباره تحالفا ضد إيران، إذ شدد المسؤولون الأتراك والباكستانيون على طابعه الدفاعي، فيما أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الاتفاق يقوم على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وهنا تكمن أهمية الخطوة؛ فالاتفاق لا يبدو مجرد رد فعل على أزمة واحدة، وإنما محاولة لبناء بنية أمنية إقليمية تستطيع دول المنطقة من خلالها التعامل مع المخاطر بعيدا عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.
وفي المقابل، تفرض إعادة تشكيل موازين القوى نفسها على إسرائيل، التي تجد أمامها بيئة إقليمية أكثر تعقيدا؛ فمن ناحية تتراجع بعض أدوات النفوذ الإيراني، ومن ناحية أخرى تظهر ترتيبات أمنية جديدة تجمع قوى إقليمية كبيرة تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية متباينة لكنها قابلة للتكامل.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن «اتفاق مكة» يمثل تحالفا معاديا لإسرائيل، فالنص المعلن لا يحدد عدوا بعينه، كما أن أنقرة وإسلام آباد والرياض لم تعلن أن إسرائيل هي المستهدف من الاتفاق.
لكن وجود ترتيبات دفاعية جديدة بهذا الحجم يضيف عاملا جديدا إلى الحسابات الأمنية الإسرائيلية، خصوصا إذا توسعت الاتفاقية مستقبلا لتشمل دولا أخرى.
هل نحن أمام «ناتو شرق أوسطي»؟
رغم التشبيهات التي ظهرت منذ توقيع الاتفاق، فإن وصفه بأنه «ناتو شرق أوسطي» يظل مبالغا فيه في مرحلته الحالية.
فالتحالف لا يزال في مرحلة التأسيس، وأمانته العامة بدأت للتو، كما أن آليات الاستجابة العسكرية المشتركة والتزاماتها التفصيلية لم تتحول بعد إلى منظومة عملياتية متكاملة.
لكن البند الذي يعتبر الهجوم على دولة عضوا هجوما على الجميع، إلى جانب العمل على تطوير القدرات المشتركة، يمنح الاتفاق ملامح ردع جماعي يمكن أن تتطور مع مرور الوقت.
ما يحدث في إطار «اتفاق مكة» يتجاوز مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول. إنه جزء من عملية أوسع لإعادة صياغة الأمن الإقليمي، في وقت تبحث فيه دول الشرق الأوسط عن ترتيبات جديدة تحمي مصالحها وسط تراجع اليقين بشأن شكل النظام الأمني الذي سيحكم المنطقة خلال السنوات المقبلة.


